المطر في الذاكرة الشعبية للفلاح بإقليم تاونات بصفة عامة وبني وليد بصفة خاصة Reviewed by Momizat on . [caption id="attachment_10400" align="aligncenter" width="540"] فلاح قروي -أرشيف[/caption] إعداد:عاهد ازحيمي-"تاونات نت"/عاش أجدادنا حياتهم الطبيعية والبسيطة دا [caption id="attachment_10400" align="aligncenter" width="540"] فلاح قروي -أرشيف[/caption] إعداد:عاهد ازحيمي-"تاونات نت"/عاش أجدادنا حياتهم الطبيعية والبسيطة دا Rating: 0

المطر في الذاكرة الشعبية للفلاح بإقليم تاونات بصفة عامة وبني وليد بصفة خاصة

فلاح قروي -أرشيف

فلاح قروي -أرشيف

إعداد:عاهد ازحيمي-“تاونات نت”/عاش أجدادنا حياتهم الطبيعية والبسيطة داخل مجتمعاتهم في عزلة عن بعضهم البعض، وكانوا لا يتواصلون فيما بينهم إلا في الأسواق الأسبوعية، أو في بعض المناسبات كالأفراح والأتراح التي كانت تضطرهم للخروج من قراهم ودواويرهم إلى مناطق أخرى. وفي ظل هذه الظروف البسيطة التي عاشها أجدادنا وتربوا فيها على نمط العزلة والبعد، جعلهم يخلقون لأنفسهم نظاما حياتيا ينظم علاقاتهم الدينية والدنيوية، واتخذوا تواريخ ومواسم معينة من أجل ضبط وتأطير حياتهم الزراعية والفلاحية والثقافية، وصاغوها على شكل قواعد وحكم وأمثال متعددة.

ومن بين العلامات التي أخذها أجدادنا بعين الاعتبار وحاولوا ضبطها وتقويمها تلك المتعلقة بالمطر والغيث، حيث يحتل الماء والمطر بالمجتمعات الفلاحية والزراعية مكانة رمزية كبيرة، نظرا لأهميته في استمرار الحياة داخلها بشكل عادي.

وباعتبار بني وليد (بإقليم تاونات) تنتمي لهذه المجتمعات التي تعتمد على الماء والمطر بشكل كبير في حياتها واقتصادها، نجد الذاكرة الشعبية للساكنة تحتفظ بالعديد من الأقوال والأحكام والأمثال الشعبية حول قيمة المطر ورمزيته في حياة الفلاحين والساكنة، كما خلد الأجداد العديد من الأمثال تهتم بتنظيم الحياة الزراعية أو تعطي قواعد عامة تتنبأ بحصيلة الموسم الزراعي.  وهكذا كان أجددنا يعتمدون على مجموعة من الإشارات والتقويمات التي تساعدهم على التفاعل مع المناخ وضبط تقلباته، فمثلا كان الفلاح يتنبأ باقتراب تساقط الأمطار قبل يوم أو يومين أو أكثر دون حاجة إلى النشرة الجوية أو معرفة بعلم الفلك، بل بمجرد ما تهب الرياح يعرف هل سيتبعها المطر أم لا، ذلك أن “ريح الما” كان الفلاح يتحسسه ويتعرف عليه من خلال هبوب الرياح الغربية الرطبة.

كما كان الفلاحون ببني وليد يتوقعون اقتراب سقوط الأمطار، ويأخذون احتياطاتهم اللازمة، فتسرع النساء إلى تغطية الأفران وإدخال المواشي والدواجن إلى أماكنهم، ويضطر الفلاحون إلى ترك حقولهم والعودة إلى بيوتهم، وذلك بمجرد ما يرون ظهور سحابة كثيفة يمل لونها إلى الأسود تطل من جهة دوار “واد الوان”، فيتأكدون أن تلك الساحبة تحمل معها أمطار وشيكة الهطول. ولذلك تحتفظ ساكنة بني وليد بعبارة “كحالث على واذ لوان”، وهي عبارة شهيرة مازالت متداولة بين أبناء المنطقة، والتي تعني أن السحاب القادمة من جهة الجبل صارت سوداء ومثقلة بالغيث، وبالتالي فسقوط المطر أصبح وشيكا، وفي الغالب ما كانت تنبؤات الساكنة تصدق، لأن الأمطار ببني وليد غالبا ما تتساقط بعد هبوب الرياح الغربية القادمة من جهة “جبل درنكل”، والتي يطلق عليه الفلاحين “بالفوقاني” أو “الريح الفوقاني”.

وإلى جانب تنبؤات الفلاحين حول اقتراب سقوط الأمطار، كانوا أيضا يتنبئون منذ بداية السنة الفلاحية بحصيلة الموسم الفلاحي، انطلاقا من توزيع تساقط الأمطار على شهور السنة، ويتجلى ذلك من خلال كون الفلاحون ببني وليد ومنطقة جبالة بصفة عامة يخلدون مجموعة من الأمثال الشعبية حول أهمية انتظام تساقط الأمطار في نجاح الموسم الفلاحي، وأنه لكي تكون حصيلة الموسم الفلاحي وافرة ومهمة، يجب أن تتوزع التساقطات المطرية بشكل منتظم، وذلك مما يعبر عنه المثل الشعبي المغربي القائل: “إلا كان مارس يسيل وأبريل هطيل وماي صافي صقيل، التولثاين من الصبا يحيل”، أي أنه من أجل ادخار حصة كبيرة من المنتوج الفلاحي، كان يتطلب أن تتساقط الأمطار خلال شهر مارس بغزارة حتى تصبح الأرض كلها تنبع بالعيون والمياه، وبنسبة أقل في شهر أبريل الذي يجب أن يجمع بين تساقط الأمطار وارتفاع درجة الحرارة حتى يسرع من نمو الزرع والنبتات والأشجار، بينما يجب أن يكون شهر ماي صافيا من دون أمطار، لكون هذا الشهر يكون فيه الزرع قد امتلأت سنابله وأكمل نضجه، وبالتالي فتساقط الأمطار في شهر ماي قد يؤدي إلى ضياع المحصول الزراعي.

كما يعتبر الفلاحون أن شهر مارس هو عمدة السنة الفلاحية، وبالتالي كلما عرف تساقطات مهمة كان الموسم الفلاحي ناجحا، ولذلك يقول المثل الشعبي الذي جاء على لسان شهر مارس مخاطبا باقي الشهور الأخرى: “إلا غبت أنا وخا تحضروا كاملين ولا حضرت أنا واخا تغيبوا كاملين”. أي ما معناه أنه إذا تساقطات الأمطار بغزارة في شهر مارس بإمكانه أن يعوض تساقطات جميع الشهور الأخرى، في حين لا تستطيع تساقطات باقي الشهور الأخرى على تعويض أمطار شهر مارس، لأن الأرض تكون في أمس الحاجة الغيث، كما أن جميع النباتات تنمو في هذا الشهر لأنه حسب المثل الشعبي :”مارس كيخلي كل عشبة برأس”، أي انه في شهر مارس تصبح كل النباتات قد أخرجت لقاحها. أو كما يقال: “فاتك الغرس فمارس”، لان الشهر الذي يصلح فيه الغرس والتشجير هو شهر مارس أو قبله، أما بعده فغالبا لا تنجح عملية التشجير.

 أما شهر ابريل فهو كذلك له مكانته الخاصة في الدورة الفلاحية، وفي ارتفاع منسوب المياه في الآبار والعيون، وبالتالي فتهاطل الأمطار بهذا الشهر تزيد من نجاح الموسم الفلاحي وكذلك يكون الماء وافرا، ولذلك يقول المثل الشعبي: “إلا طاحت الشتاء فأبريل اسقي بلا بير”، أي أنه إذا شهد شهر أبريل تساقطات مهمة، فان صبيب المياه سيكون مرتفعا طيلة الصيف، وبالتالي فالفلاح لن يحتاج لجمع الماء في الحاصرات (البيار) من أجل سقي وري أعراسه، بل بإمكانه أن يسقي “بالطوال” فقط.

كما أن الفلاحين بالمنطقة، يعتبرون أن شهر أبريل هو الذي يشهد فيه الرزع وكذلك الأشجار نموا مهما، لأن هذا الشهر ترتفع فيه درجة الحرارة، الأمر الذي يساعد النبتات والمزروعات على النمو بسرعة كبيرة، وهو ما يعبر عنه المثل الشعبي القائل: “مارس وجاذو وابريل جراذو وماي كيف ما جبرو جابو”. بمعنى أن المزروعات تبدأ نموها في شهر مارس، في حين تكبر وتصبح مكتملة النمو في شهر أبريل، أما شهر ماي فلا يزيد في الزرع أي شيء، وإنما يبقى كما كان عليه في شهر أبريل دون أي تغير بل فقط يصبح جاهزا للحصاد.

أمطار غزيرة

أمطار غزيرة

هذا في ما يتعلق بالمطر وأثره على الموسم الفلاحي. أما في حالة السنوات الجافة تلجأ ساكنة المجتمعات الزراعية إلى ممارسة عدة طقوس للاستمطار وطلب الغيث، حيث يقوم الرجال بتأدية صلاة الاستسقاء والدعاء من اجل تساقط الأمطار، في حين تلجأ النساء والأطفال إلى ممارسة عادة متوارثة ترجع لعهد ما قبل الإسلام لطب المطر، وتسمى “غنجا”، حيث تعمد النساء إلى اتخاذ “انخاس” الذي يستعمل في إخراج الخبز من الفرن، ويتم تغطيته بالملابس النسائية، حتى تصبح في شكل دمية، ثم تحملها إحدى النساء ويسرون في شكل موكب لزيارة الأضرحة التي توجد بالمنطقة، وهم يرددون مجموعة من الأهازيج والأدعية التي يختلط فيها ما هو وثني مع ما هو ديني، ومن أبرز تلك الأدعية التي مازال ذاكرة بني وليد تحتفظ بها نجد:

ياغنجة طلب الرجا

ياربي تعطينا الشتا

 غنجة غنجة بودرابل

سرح الما في المزابل

فويلة عطشانة

سقيها يا مولانا

وكذلك:

يا ربي غيث غيث

حتى تقطر كل بيث

وغير ذلك من الأهازيج المختلفة التي يتم ترديدها، من طرف النساء والأطفال وهم يسرون في على شكل موكب، وفي نفس الوقت تقمن نساء أخريات برش السائرين في الموكب بالماء كفال حسن عليهم بسقوط المطر، وبعد الانتهاء من الموكب يقمن النساء بتنظيم حفل إطعام “صدقة”، إما بالمسجد أو بأحد الأضرحة.

 ولغنجة قصة أسطورية حيث يحكى أن إحدى الفتيات تدعى “غنجة” ذهبت للنهر لتستحم وعندما تجردت من جميع ملابسها ورآها اله المطر نزل إليها وطلبها للزواج فرفضت، وكان لرفضها سببا في غضب اله المطر وقام بحبس المطر على قبيلة تلك الفتاة، وجفت الأنهار والعيون، فشاع خبر القصة بين الناس مما جعلهم يجتمعون لاستعطاف غنجا من أجل قبول طلب اله المطر، حتى ترجع الأمطار وتعود المياه إلى مجاريها. وبقيت هذه العادة متوارثة بين سكان المغرب بالرغم من وثنيتها، إلا أنه تم توليفها مع تعاليم الشعائر الإسلامية، فتم الاحتفاظ بالطقس لكن الدعاء والاستعطاف يوجه إلى الله من أجل الاستمطار وغيث العباد البلاد وما عليها، كما أن أغلب الذين لا يزالون يمارسون طقس غنجة فهم يجهلون قصتها وإنما يعتبرونها أنها طقس دين للاستغفار وطلب الغيث.

كما أنه عندما تهب الرياح الشرقية بشكل قوي ولمدة طويلة، وما لذلك من أثر سلبي على الموسم الزراعي، وكذلك في جفاف الأنهار والعيون والآبار، وانحباس المطر، وهكذا فعندما تطول مدة هبوب الرياح الشرقية بالمنطقة وتأثيرها على المزروعات والأشجار والثمار، يتم اللجوء إلى بعض الممارسة للاستنجاد بتوقف الريح الشرقي وانقلابه إلى الرياح الغربية، فتقمن بعض النساء بوضع أغصان شجرة “البري” (ذكر الزيتون) أو “المثنان”، في صهريج مائي لإحدى العيون، وتوضع فوقه الحجارة، لتبقى تلك الأغصان مغطاة بالماء، وهذه العادلة مازالت تقوم بها بعض النساء إلى يومنا هذا.

وحتى في السنوات التي كانت تعرف تساقطات غزيرة وعاصفية، وانقطاع الطرقات وتصبح الساكنة غير قادرة على قضاء حوائجها وتصبح معزولة لمدة تزيد على الشهر أو الشهرين دون توقف، كانت الساكنة تقوم بممارسة بعض الطقوس من أجل توقف الأمطار، ومن أبرزها تلك التي مازالت الذاكرة المحلية ببني وليد تحتفظ بها، حيث يتم أخذ “اينين” والذي يقصد به الحجارة التي تشكل أحد أركان “الكانون”، الذي يوقذ فيه النار، ويحمله الأطفال ويبدؤون يرددون “اينينو ماث ماث والآيلة حماث حماث”، كاستنجاذ إلى الله من اجل أن يتوقف المطر والاستغناء عن “الكنون”، بعدما تشرق الشمس من جديد وترتفع درجة الحرارة. ثم بعد ذلك يقم بعض الأطفال بدفن تلك الحجرة التي تسمى “أينينو”، خفية دون أن يعلم احد بمكانها.

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 5478

اكتب تعليق

لابد من تسجيل الدخول لكتابة تعليق.

2014 Powered By Wordpress, By MinِCom -- Copyright © All Rights Reserved - Taounate.Net

الصعود لأعلى