شاعر من زمن الجرح المرشوش بالملح :قراءة في ديوان ”ذاكرة الزمن المحكي ”للشاعر التاوناتي محمد خرقوق Reviewed by Momizat on . [caption id="attachment_13889" align="aligncenter" width="530"] الشاعر محمد خرقوق خلال تكريمه من طرف جريدة"صدى تاونات" سنة 2014 بتاونات[/caption] مصطفى الفحفوحي [caption id="attachment_13889" align="aligncenter" width="530"] الشاعر محمد خرقوق خلال تكريمه من طرف جريدة"صدى تاونات" سنة 2014 بتاونات[/caption] مصطفى الفحفوحي Rating: 0

شاعر من زمن الجرح المرشوش بالملح :قراءة في ديوان ”ذاكرة الزمن المحكي ”للشاعر التاوناتي محمد خرقوق

الشاعر محمد خرقوق

الشاعر محمد خرقوق خلال تكريمه من طرف جريدة”صدى تاونات” سنة 2014 بتاونات

مصطفى الفحفوحي:”تاونات نت”/ قبل سنوات عديدة صدر للشاعر التاوناتي الأستاذ محمد خرقوق ديوان شعر في طبعة أنيقة بعنوان ” ذاكرة الزمن المحكي”، فبعد طول مراس مع الكتابة الشعرية والسفر في رحاب الوجدان والنشر في العديد من الجرائد الوطنية، أعلن عن ميلاد ديوانه الأول، الذي جاء مساهمة في انعاش الحقل الثقافي المتكلس بالاقليم. متحديا بذلك وضعا سوسيوثقافيا لا يشجع إلا على الخمول. إذ نحييه على هذه المغامرة الجميلة التي تستحق أكثر من قراءة، ترويجا للابداع الخلاق والملتزم لتشجيع أصحابه على الاستمرار والحضور لمحاصرة استئساد الابتذال والقبح. وقد احسست فعلا بنوع الاجحاف في حق هذا الديوان الباضخ معنى ومضمونا، في وقت تلقى فيه ابداعات “التمييع ” كل الدعم والمساندة. ومباشرة بعد صدور الديوان، تم الاحتفاء بالشاعر خلال حفل التوقيع، قدم خلاله بعض الأساتذة قراءات أولية في الديوان. في الحقيقة بعد قراءتي له استمتعت بلذة الشعر بناء ومضمونا. وكنت انتظر قراءات أخرى لابراز جمالية الشعر في قصائد الديوان .

قرر الشاعر محمد خرقوق اشراك قارئه في تذوق لذة قصائده بعدما ظل ثلاثة عقود يغرد في صمت صوفي وهدوء شاعري بعيدا عن الأضواء ومحتفظا بأغلب شعره مسودا في درج مكتبه، علاوة على ما نشر… والذين عرفوا محمد خرقوق أستاذا بثانوية الوحدة بتاونات يعرفون انه كان شاعرا في سلوكه وطريقة إلقائه للدروس وفي رقته وفي قسوته ونادرا ما قسى. وعرف أيضا بفصاحته بين زملائه وقدرته الفائقة على شد الانتباه إليه بصدق حديثه وعفويته وبساطته. انه شاعر استثنائي ولا شك، اذ لم يتسرب إليه اليأس أو يحس بالكلل من عدم جدوى ما يكتب إذا لم يتواصل من خلاله مع قارئه المفترض، ويحقق بذلك رغبته ككل شاعر صادق في أن يؤدي شعره دوره داخل المجتمع، ما دام أن كل شاعر صادق “يحمل بين جوانحه شهوة لاصلاح المجتمع “، وقارئ ديوان “ذاكرة الزمن المحكي” سيحس لا محالة وكأن مبدع هذا الديوان يحمل أحزان وألام الآمة العربية والإسلامية على عاتقه وحيدا، ويتجرع مرارة الخذلان العربي بمفرده ؟ والواقع أن الشاعر الصادق هو الذي يضيق ذرعا بقبح الواقع، وتعاسة التعساء وينطق بلسان الجماعة، متطلعا دوما وأبدا إلى واقع مثالي .يقول الشاعر:

هذا زمانك يا صلاح الدين
تورمت اودلج العنترية
بذل الهزيمة
في زمن الغجر المكبل باذيال
النفاق والشقاق
انت فيه العاشق والمعشوق معا.

غلاف ديوان ذاكرة الزمن المحكي

غلاف ديوان ذاكرة الزمن المحكي

نداء للانعتاق والتحرر لمحو عار الهزيمة النكراء، والذل الذي تعيشه الامة العربية. وقد استحضر الشاعر هنا شخصية صلاح الدين الايوبي التي قلبت موازين القوى في مرحلة مشرقة من تاريخ المسلمين والعرب في فلسطين …
لقد جسد الشاعر ألام وأمال هذه الآمة في رؤية شعرية جمالية معاصرة. وقد ركب سفينة الشعر، رغم ما يقال عن انحصار دور الشعر، سابحا ضد التيار، لامانه ولا شك، أن الشعر الشعر يسمو فوق كل الاعتبارا ت. وسيؤدي حتما دوره داخل المجتمع, ما دام أن الشاعر يمارس حلمه الشعري ليس إلا. وما انسحب القارئ من ساحة الشعر إلا لأن الشعر انسحب من ساحة القارئ، ولم يعد ملتزما بقضاياه. وكما هو حال الشعراء الكبار الذين ستظل الأجيال تفتخر بهم، توج محمد خرقوق صمته المتأجج صراخا لواقع يبعث على البكاء دما بنشر هذا الديوان الزاخر لذة ومعنى.
يتوفر الديوان على القدر الكافي من الجمالية و الفنية، فالشاعر لم يضح بالمقومات الجمالية والفنية للقصيدة من اجل القضايا الاجتماعية، فبقدر وضوحه الفكري وموقفه من القضايا الشاغلة، كان التزامه الفني، حيث وفر لقصائده تلك الشحنة الدلالية من الايحاء والتخييل والانزياحات الدلالية، إضافة إلى رؤية شعرية معاصرة
إن الانطباع الأول الذي يمكن أن يخرج به أي قارئ لديوان “ذاكرة الزمن المحكي”، هو ذلك النزوع نحو تصوير الألم العربي بحرقة صادقة، وقد تحمل الشاعر مسؤوليته كمثقف له رسالة نبيلة عليه ان يؤديها لا أن يقفز عليها بدعاوي واهية. فلا يمكن للشاعر يقول احمد المعداوي الذي يتجرع مرارة هذا الواقع ان يقلل من أهمية الرسالة الشعرية، وإلا لقلنا إن الشاعر ليس له قلب يحس به. وإذا كان الشاعر، أي شاعر، يروم تصوير مظاهر الخلل في الكون والحياة , ويعمل جاهدا من اجل المساهمة في الاصلاح. فالشاعر محمد خرقوق, الذي قدر له ان يحيى في “زمن الجرح المرشوش بالملح”، فلا شك أن ألمه سيكون ابلغ، وحزنه أوضح. هذا ما يتضح لأي قارئ. يقول الشاعر في قصيدة “رؤيا في زمن الغياب”/:

في عتمة الاحقاد اجتثوا راس الحسين احرقوا ذا القبرين مرتين… قصوا ضفائر فاطمة بنت النبي وبالوا فوق العنفوان العربي… اختزلوا الصمت في الخطب…
ليس هناك ما هو ابلغ ألما من هذا التصوير، حيث نحس فيه الشاعر ينزف دما وينحت الصور على حساب ذاته الجريحة. انه فعلا شاعر من” زمن الجرح المرشوش بالملح”.
وقد استطاع الشاعر فعلا ان يوفر لقوله الشعري تلك اللذة الغامضة التي تملا النصوص الجيدة، لما يمتلكه الشاعر من حس فني ناضج وتشبعه بتراث امته الذي استثمره لاعطاء متنه الشعري زخما دلاليا. كما ان وعيه العميق بواقع امته يسهل عليه اعتماد اسلوب الرفض والاحتجاج مع الاحتفاظ دوما ببارقة امل رغم سوداوية الوضع، بدل الركون الى اسلوب البكاء والتباكي على واقع امته المتازم .
ولا شك ان المتذوق لعالم محمد خرقوق الشعري سيدرك تماما جمالية سبكه اللغوي واستثماره للتراث من اساطير ورموز وحكايات شعبية واحداث تاريخية وشخصيات… استثمار احسن صياغته في قالب شعري عذب يتمظهر من خلال صور شعرية موغلة في التخييل، ولكنها لا تتغيى الابهام في حد ذاته، إلا من اجل اقحام القارئ في قلق ولذة إعادة البناء بدل تقديم الجاهز المستهلك. فلنتامل ذلك الزخم من الاساطير والرموز الشعرية التي استثمرت في سياق شعري جميل ولا يروم الشاعر من خلال ذلك استعراض ثقافته بشكل مجاني. وقصائد الديوان توضح فعلا اطلاع الشاعر الواسع على ثقافة امته العربية والاسلامية، حيث اتخذ الشاعر من التاريخ بكل تجلياته افضية لنسج متخيله الشعري، واستلهامه ايضا لكنوز الشعر العربي قديمه وحديثه مستخدما اسلوب التناص في الكثير من القصائد.
لقد خلق الشاعر لنفسه رمزا شعريا يشكل افق انتظاره يعبر عن الانعتاق والتحرر ويحرض على ذلك أيضا. يتجلى ذلك تارة في صلاح الدين الايوبي وتارة في طارق بن زياد او باتريس لومومبا او عروة بن الورد. ان هذه الشخصيات التراثية تشترك جميعها في نبذ العبودية والرغبة في الحرية والانعتاق…. ذلك هو امل الشاعر، بل امل الانسانية جمعاء. والامة العربية على الخصوص التي تعاني اكثر من غيرها.
ان الشاعر محمد خرقوق الذي يعيش في زمن “الذلقراطية”( بتعبير المنجرة) التي توجت الان انتفاظات ملتهبة، يحترق قلبه بلهيب هذا الزمن، حيث صبغت بوحه الشعري رؤيا شعرية سوداوية حزينة تعكس انشغال الشاعر بالالم العربي العام…. فلا شعرية في هذا الزمن إلا شعرية الألم. حيث” الجرح مرشوش بالملح”.

1-محمد خرقوق -”ذاكرة الزمن المحكي”-ديوان شعر -منشورات ” صدى تاونات”-2004- الطبعة الاولى.

 

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 3240

2014 Powered By Wordpress, By MinِCom -- Copyright © All Rights Reserved - Taounate.Net

الصعود لأعلى