المغرب ومستوى نسبة التضخم…بقلم الدكتور بوزيد عزوزي

د. بوزيد عزوزي*-تاونات:”تاونات نت”/- إن المغرب كسائر دول العالم يعرف حالة اقتصادية تغني تجربته في تدبير المرحلة على ضوء المعطيات الإقتصادية الدولية من تأطير جائحة كورونا إلى ارتدادات الحرب الجارية بين روسيا الإتحادية وأوكرانيا .

إن السؤال حول التضخم في البيئة الإقتصادية الحالية يؤثث تفكير وتخمينات المسؤولين الساهرين على تدبير الشأن العام ، لإنه مرتبط ارتباطا وثيقا بالحياة اليومية للمجتمع .

                             توطئة

لقد نتج عن المناخ الدولي الحالي المتشنج اضطرابات اقتصادية ومالية عمت جميع دول العالم وتنذر بمزيد من التأرجح بين الإستقرار وضعفه وربما عدمه

لقد فاجئت جائحة كورونا البشرية برمتها نهاية 2019 وبداية 2020 فهزت استقرار المجتمعات ونتجت عنها اضططرابات اقتصادية على مستوى الانتاج وبالتالي على مستوى الإستهلاك وارتفاع الأثمان مع صمود ساكنة العالم التي استطاعت التكيف مع تداعيات الجائحة

مباشرة بعد هاته المرحلة الصعبة انفجرت الحرب الروسية-الأكرانية يوم 24 فبراير 2022 فكان لها التأثير البالغ على الإقتصاد العالمي وتداعيات هاته الحرب على الإنتاج والأثمان وفرص الشغل بترابط مع الزيادات المتتابعة والمسترسلة لأثمان الطاقة والمحروقات من زيت-الوقود والبنزين وغيرهما

فانطلقت التكهنات التي اصبحت حديث الخاص والعام في كل أنحاء العالم حول ارتداداتها الجيو-سياسية ونتائجها الجيو-استراتيجية وأبعادها الإجتماعية والإقتصادية في بعدها المعيشي المرتبط بالأثمان وبالقدرة الشرائية للمواطنين كما هو الحال في بلادنا

                             التضخم 

إن ارتفاع الأثمان يؤثر مباشرة على القدرة الشرائية للمواطن نظرا لكون المدخول اليومي أو الأسبوعي أو الشهري يفتقد المرونة المطلوبة للتكيف مع طبيعة الأثمان وسلمها ؛ فسلم الأثمان يسهل الإرتفاع أكثر منه ما يساعد على الإنخفاض ، فالأثمان ترتفع بسهولة كبيرة بينما ارتفاع الأجور يتطلب قرارات ومفاوضات مع النقابات الخ

                            التعريف 

        التضخم هو العملية التي تنتج عن الزيادات المتتالية للأثمان بالموازاة مع تكدس وتزايد الكتلة النقدية والمالية المروجة في السوق المالي والتجاري الصادرة عن معهد الإصدار

وكلاهما : التضخم والكتلة النقدية-المالية يتسابقان باسترسال في التقدم نحو مستويات أعلى إذ يصبح اقتناء منتوج مهما قل ثمنه في “الوقت العادي” يتطلب عددا هائلا من الأوراق النقدية كما حصل خلال الأزمة الإقتصادية سنة 1929 بألمانيا إذ أصبح شراء طابع بريدي يتطلب أكياسا من الأوراق المالية

وينتج عن هاته السلسلة الملتوية عموديا والمتحكم فيها بصعوبة في فقدان القدرة الشرائية عند المواطنين

إن التضخم ظاهرة مالية-اقتصادية هيكلية تدفع الأثمان في اتجاه التصاعد باسترسال في كافة القطاعات الإقتصادية المنتجة وبالتالي تنعكس على القطاع الإستهلاكي بمفهومه الإجتماعي

وتجدر الإشارة إلى وجوب إيجاد فرق بين التضخم والنقص في مستوى المعيشة للمواطنين التي ينتج عنها ضعف القدرة الشرائية التي قد تنزلق إلى فقدانها

وهي ناتجة عن عدة عوامل سياسية كالحروب واقتصادية كالزيادة في أثمان المواد الأولية واجتماعية نتيجة الإضرابات التي تفرض طلبات الزيادة في الأجور

فالتصخم إذن هو عدم قدرة الكتلة النقدية الموجودة والرائجة في السوق المالي على مسايرة تصاعد الأثمان التي تصبح في تصاعد مسترسل ومستمر يتطلب بالموازاة وجود كتلة نقدية كافية لامتصاص المنتجات المعروضة في السوق الشيء الذي يدفع البنك المركزي ، إلى إصدار أوراق مالية بدون مقابل إنتاجي في دواليب الإقتصاد الوطني كما هو حاصل منذ مدة غير قصيرة بالولايات المتحدة الأميريكية التي أصبح فيه مصدر الإصدار FED يطبع ملايير الدولارات بقرار سياسي

وهذا ما بدأنا نلاحظه حاليا في عدة دول خصوصا الأوربية مع التصاعد المتتالي لأثمان المواد الأولية خصوصا الطاقة من المحروقات والغاز على المستوى الدولي الناتج عن الحرب الروسية-الأكرانية بعد التداعيات المؤلمة لآفة جائحة كورونا

ومما قد يؤزم هاته الحالة في كل بلدان العالم خصوصا البلدان الفقيرة والنامية هو تلوث البيئة الذي له تأثير مباشر على الطقس وانخفاض تهاطل الأمطار المصاحب للجفاف والتقدم السريع للجغرافيا الصحراوية من الجنوب تجاه الشمال

هاته الظواهر ناتجة في مجملها من فعل الإنسان بإشعال الحروب وتلويث الجو ؛ نتائج هاته المعضلات هي نقص في المنتوج الفلاحي وتربية المواشي موازاة مع التزايد السكاني المذهل إذ تجاوز عدد ساكنة الكرة الأرضية 7,8 مليار إنسان

وبما أن الإنتاج لا يتزايد بما يكفي فإن الأثمان تتصاعد باستمرار استجابة للقاعدة الإقتصادية المبنية على العرض والطلب إذ كلما ازداد الطلب ارتفعت الأثمان خصوصا مع ضعف الإنتاج نتيجة للحروب أو الجفاف أو غيرهما ، وهذا هو الأساس الذي يبنى عليه التضخم وتنطلق منه القدرة الشرائية الضعيفة للمواطنين في كل بقاع العالم

                تحديد مستوى التضخم 

يتم تحديد النسبة المئوية للتضخم ويتم تقييم مستواه بمعادلات تختلف من مؤسسة لأخرى

فقد تجد عددا من مؤسسات الإحصاء وغيرها تستخرج نسب مئوية للتضخم مختلفة بعضها عن بعض لدولة معينة ؛ كل هيئة تدمج أو تنقص معطى اقتصاديا معينا حسب منظورها وحسب النتيجة المتوخاة من المعادلة المستعملة

فهاته المؤسسات المختصة والمتخصصة في الدراسات الحيسوبية والرقمية تقدم نسبة مئوية للتضخم لدولة ما حسب مؤشرات أثمان الإستهلاك التي تستعملها حسب زوايا تختلف من مؤسسة إلى أخرى

ومما يزيد إشكالية التدقيق في تحديد نسبة التضخم في كل الدول حاليا هو الضبابية التي تغطي الآفاق الإقتصادية لكل بلدان العالم التي تعرف حاليا عدم استقرار كبير جدا ؛ فالعالم يعرف هزة كبرى وأصبح في منعرج كبير جدا  مع التحولات الجذرية التي دخل فيها منذ نهاية القرن الماضي والتي تتأكد منذ بداية القرن الواحد والعشرين

فهذا المنعطف يجعل تحديد أرقام التضخم أمرا صعبا جدا لأن جميع الفرضيات تبقى تقريبية وحتى نظرية ما دامت أن المعطيات تتغير من الصباح إلى المساء ومن المساء إلى الصباح الموالي

              التضخم والتنمية الإقتصادية 

هذا الواقع أصبح يحتم على مدبري الشأن العام في القطاعات الإقتصادية والمالية المتابعة الدقيقة والحازمة والحاسمة لمحاولة ضبط الواقع الوطني والدولي المتولد في كل برهة وفي كل آن على ضوء المستجدات المتسارعة ، لما لهاته المتابعة من أهمية من حيث التداعيات الإجتماعية الجد حساسة والإرتدادات السياسية المتفاعلة مع الأبعاد الوطنية والدولية .

إن نسبة التصخم في بلادنا عرفت خلال السنوات العديدة الماضية استقرارا ملحوظا كانت آخرها 1,4% في 2021 .

إلا أن هاته النسبة قد تصل إلى 4,7 % خلال السنة الجارية قبل أن تعود إلى اقل من 2% خلال السنة المقبلة 2023 .

وقد نسجل تباين هاته النسب المستنتجة من طرف مصدر الإصدار-بنك المغرب مع التي يستخرجها أطر المندوبية السامية للتخطيط

كما أكدت أعلاه ، هاته النسب تختلف من مؤسسة إلى أخرى حسب “مؤشرات الأثمان المستعملة” في المعادلات والمعطيات التي تأخذها كل مؤسسة حسب الزاوية المالية والإقتصادية والإجتماعية التي تنظر منها وترى أنها هي الأفيد للطرح المعمول به من أجل المصلحة الوطنية

مصدر الإصدار بنك-المغرب يشتغل مع القطاعات الحكومية وقطاع الأبناك والمال والقطاعات الإقتصادية الفاعلة الصناعية منها والفلاحية والسياحية والتجارية والخدماتية وغيرها مما يؤهلها بالعمل بلوغارتمات ومعادلات مستقاة من المصادر الإقتصادية والمالية التي هي مدعوة بأن تقدمها في ملفات رسمية  معتمدة

من باب المقارنة فنسبة التصخم في مصر وصلت إلى 10% خلال فبراير 2022 ، وقد كانت 4,9% خلال نفس الشهر من سنة 2021 .

وفي تونس فقد تأرجحت نسبة التصخم ما بين 5,6% إلى 6,6 % .

أما في تركيا فقد وصلت نسبة التضخم 48,69% .

إن الواقع الإقتصادي الذي تعيشه الدول المتقدمة الأوروبية والولايات المتحدة الأميركية وكندا واليابان وأستراليا أصبح على كف عفريت نتيجة تداعيات وباء كوڤد. 19  تلتها الحرب الروسية-الأكرانية والعقوبات المطبقة على روسيا وما بدأ يتراءى من نتائج ارتدادية على اقتصاداتها ونذير بانخفاض نسبة النمو التي بدأت تتدحرج وحركات اجتماعية احتجاجية نتيجة لارتفاع نسبة التضخم وارتفاع أثمان كل المنتجات المعروضة في الأسواق

لقد أصبحت نسب التضخم في هاته الدول المتقدمة عالية نسبيا أو جدا لما عرفه مواطنوها منذ أشهر يناير وفبراير ومارس 2022  من انخفاض في مستوى معيشتهم وتدني قدرة شرائهم حتى أصبح عدد كبير منهم يتفقد قوة يومه من القمامات بكل جرأة

حصل هذا حين قفز ثمن البترول إلى مستوايات جد مرتفعة ، فمحروق برينت قفز إلى 140 $ للبرميل بداية شهر مارس المنصرم قبل أن ينزل إلى 95,8 $ للبرميل وقفزت نسبة التضخم خلال شهر فبراير إلى 7,9 % في الولايات المتحدة الأميركية ، نسبة لم تعرفها منذ حوالي أربعة عقود بعد أن كان في حدود 4,7% نهاية 2021 ؛ ومن المرتقب أن يصل ثمن البرميل إلى 106,8 $  في الأفق المنظور

من الواضح على ضوء ما سلف أن نسب النمو الإقتصادي ستعرف تقلصا كبيرا نهاية 2022 وربما حتى 2023 ، على ضوء المعطيات والمؤشرات الوضعية ، كما أكدت أعلاه ، إذ أن جميع الإحتمالات ممكنة وكل الفرضيات واردة

أعتقد أن الأزمة الإقتصادية العالمية الراهنة هي فرصة سانحة للدول النامية بإن تضغط على زر السرعة لوضع استراتيجة الإنطلاق إلى الآفاق الواعدة عبر البحث العلمي بالمختبرات وتهييء المجتمع بكل مكوناته عبر منظومة تعليمية متنورة تواكب التطور العلمي في إطار حضارة إنسانية ترشف مقوماتها من القيم الإنسانية

*بطاقة تعريف عن الكاتب:

الأستاذ بوزيد عزوزي ، 

أستاذ جامعي ، 

مدير مديرية المساهمات المالية والصناعية والسياحية  بالبنك الوطني BNDE سابقا،

مدير مديرية المقاولات المتوسطة والصغرى بالبنك الوطني للإنماء الإقتصاديBNDE سابقا،

مستشار رئيس المكتب الوطني للمواصلات السلكية واللاسلكية ONPT ،

مدير مديرية التعاون الدولي وتنمية القطاع الخاص بوكالة تنمية الأقاليم الشمالية APDN  سابقا، 

مدير المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات ISCAE بالرباط .

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 6047

2014 Powered By Wordpress, By MinِCom -- Copyright © All Rights Reserved - Taounate.Net

الصعود لأعلى