إدريس المزياتي:”تاونات نت”//-كنزة الزاهر عن الاتحاد الاشتراكي، حليمة الزومي عن الاستقلال، ودنيا الزاهر عن جبهة القوى الديمقراطية.. ثلاث كفاءات تاوناتية (كلهن أعضاء في منتدى كفاءات إقليم تاونات) بألوان حزبية مختلفة في البرلمان الجديد.
لم تكن نتائج الانتخابات التشريعية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 مجرد محطة جديدة في المسار الانتخابي المغربي، بل حملت بالنسبة لإقليم تاونات دلالة خاصة، بعدما تمكنت ثلاث نساء ينحدرن من الإقليم من الوصول إلى مجلس النواب عبر الدائرة الانتخابية الجهوية لجهة فاس-مكناس، في نتيجة تعكس الحضور المتنامي للكفاءات النسائية التاوناتية في المشهد السياسي الجهوي والوطني.
ويتعلق الأمر بكل من الدكتورة كنزة الزاهر، التي ترشحت باسم حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والأستاذة حليمة الزومي، وكيلة لائحة حزب الاستقلال، والسيدة دنيا الزاهر، وكيلة اللائحة الجهوية لحزب جبهة القوى الديمقراطية.
ويكتسي هذا الفوز أهمية مضاعفة، ليس فقط لأن الأسماء الثلاثة تنحدر من نفس الإقليم، وإنما أيضاً لأنها خاضت المنافسة تحت رايات ثلاثة أحزاب سياسية مختلفة، قبل أن تلتقي في محطة واحدة هي قبة البرلمان، حاملة معها تجارب ومسارات مختلفة، وانتماءً مجالياً مشتركاً إلى إقليم تاونات.

تاونات… حضور نسائي يتجاوز الحدود المحلية
لطالما ارتبط اسم إقليم تاونات بكفاءات سياسية وبرلمانية وجمعوية وأكاديمية استطاعت أن تجد لها مكاناً في المشهد الوطني، غير أن بروز ثلاث نساء تاوناتيات دفعة واحدة ضمن التمثيلية البرلمانية الجهوية يمنح هذا الحضور بعداً جديداً.
فاللافت في هذه النتيجة أن الترشيحات الثلاثة لم تكن محصورة في دائرة انتخابية محلية داخل الإقليم، وإنما جرت على مستوى الدائرة الانتخابية الجهوية لفاس-مكناس، التي تضم عشرة مقاعد مخصصة للنساء.
وكانت هذه الدائرة قد عرفت خلال الأسابيع التي سبقت الاقتراع منافسة قوية بين عدد كبير من الأسماء النسائية المنتمية إلى مختلف الأحزاب.
وبحسب المعطيات المنشورة عقب الاقتراع، بلغ عدد النساء اللواتي ظفرن بمقاعد برلمانية بجهة فاس-مكناس 12 امرأة، عشر منهن عبر المقاعد الجهوية النسائية، فيما فازت امرأتان عبر دوائر محلية بمدينة فاس وهما الأستاذة زينة شاهيم باسم حزب التجمع الوطني للأحرار والأستاذة ريم شباط باسم الحركة الشعبية.
وفي قلب هذه الخريطة الجديدة يبرز اسم تاونات من خلال ثلاث نائبات برلمانيات، وهو حضور يمنح الإقليم تمثيلية نسائية متعددة الألوان السياسية داخل المؤسسة التشريعية.
كنزة الزاهر… من الكفاءة الطبية إلى المؤسسة التشريعية
من بين الأسماء التي صنعت هذا الحضور النسائي الجديد، تبرز الدكتورة كنزة الزاهر، التي خاضت الانتخابات التشريعية على رأس اللائحة الجهوية لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبيةبجهة فاس-مكناس.
وكان ترشيح الزاهر قد حظي باهتمام محلي، بالنظر إلى انحدارها من إقليم تاونات وإلى مسارها المهني، باعتبارها طبيبة وعضواً في منتدى كفاءات إقليم تاونات. وقد قدم ترشيحها خلال الحملة الانتخابية باعتباره أحد الوجوه النسائية التي اختار الحزب الدفع بها في منافسة جهوية قوية.
ويأتي وصول كنزة الزاهر إلى مجلس النواب ليضيف بعداً جديداً إلى مسارها المهني، بعدما انتقلت من مجال الممارسة الطبية إلى فضاء العمل التشريعي والسياسي.
وتحمل هذه النقلة معها انتظارات مرتبطة بقدرة الكفاءات القادمة من مجالات مهنية مختلفة على المساهمة في النقاش البرلماني، خصوصاً في الملفات التي تتقاطع مع قضايا الصحة والخدمات العمومية والتنمية الاجتماعية والمجالية.
حليمة الزومي… تجربة سياسية وجمعوية تتوج بالبرلمان

أما حليمة الزومي، (نائبة رئيس مجلس جهة فاس-مكناس)،فقد خاضت الاستحقاقات التشريعية باسم حزب الاستقلال، بعد أن اختارها الحزب وكيلة للائحته الجهوية النسائية بجهة فاس-مكناس.
وكان اسم الزومي قد برز قبل الانتخابات في المشهد السياسي الجهوي، حيث ارتبط بتجربتها داخل مجلس جهة فاس-مكناس، إلى جانب نشاطها في المجال الجمعوي. كما سبق أن أشارت تغطيات انتخابية إلى اختيار حزب الاستقلال لها لقيادة لائحته الجهوية النسائية.
وقد أظهرت النتائج أن حليمة الزومي تمكنت من حجز مقعد داخل مجلس النواب، لتواصل بذلك مساراً سياسياً انتقل من المجال الترابي والجهوي إلى المؤسسة التشريعية الوطنية.
وإذا كان الفوز الانتخابي يشكل محطة مهمة في مسار أي فاعل سياسي، فإن وصول الزومي إلى البرلمان يضع أمامها أيضاً مسؤولية جديدة مرتبطة بالانتقال من تدبير الشأن الجهوي إلى المساهمة في التشريع ومراقبة العمل الحكومي والترافع عن القضايا التي تعتبرها ذات أولوية بالنسبة للجهة والإقليم.
دنيا الزاهر…وجه شاب يحقق العبور باسم جبهة القوى الديمقراطية
أما دنيا الزاهر، فقد دخلت السباق الانتخابي على رأس اللائحة الجهوية النسائية لحزب جبهة القوى الديمقراطية بجهة فاس-مكناس.
وقد شكل ترشيحها أحد العناوين النسائية والشبابية التي برزت خلال الحملة الانتخابية، خاصة أن الحزب قدمها كوكيلة للائحته الجهوية في دائرة تضم عشرة مقاعد مخصصة للنساء.
وتشير المعطيات المنشورة حول مسارها إلى أنها راكمت تجربة مهنية في قطاع الصحة، بعدما اشتغلت في المركز الاستشفائي الحسن الثاني بفاس، قبل التحاقها بقطاع الصحة سنة 2021، حيث تشتغل كإطار بمندوبية وزارة الصحة بعمالة فاس.
وبفوزها في الانتخابات، تنتقل دنيا الزاهر من موقع المرشحة الشابة إلى موقع البرلمانية، في تجربة ستضعها أمام اختبار جديد داخل المؤسسة التشريعية، خصوصاً في ظل الرهان المتزايد على تجديد النخب وفتح المجال أمام وجوه جديدة.

ثلاث نساء.. ثلاثة أحزاب.. وإقليم واحد
لعل أكثر ما يمنح هذه النتيجة دلالتها الخاصة هو أن كنزة الزاهر وحليمة الزومي ودنيا الزاهر لم يصلن إلى البرلمان من خلال تجربة حزبية واحدة، بل عبر ثلاث قنوات سياسية مختلفة.
فالأولى تحمل ألوان الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والثانية تمثل حزب الاستقلال، فيما وصلت الثالثة باسم جبهة القوى الديمقراطية.
وهذا التنوع الحزبي يجعل من الحضور التاوناتي داخل البرلمان الجديد حالة مختلفة؛ إذ لا يتعلق الأمر بتمثيلية حزبية واحدة أو تيار سياسي واحد، وإنما بثلاث تجارب سياسية تتقاطع في الانتماء إلى المجال الترابي نفسه.
ومن شأن هذا المعطى أن يمنح إقليم تاونات وجهة فاس مكناس ، بشكل غير مباشر، مساحة أوسع للترافع داخل المؤسسة التشريعية، خصوصاً إذا استطاعت النائبات الثلاث تحويل الانتماء المجالي المشترك إلى اهتمام فعلي بقضايا الإقليم والجهة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على استقلالية كل واحدة منهن في إطار انتمائها الحزبي والمؤسساتي.
من تاونات إلى فاس.. ومن الحملة الانتخابية إلى امتحان البرلمان
الوصول إلى البرلمان لا يشكل نهاية المسار، وإنما بداية مرحلة أكثر تعقيداً. فبعد انتهاء الحملات الانتخابية وظهور النتائج، ينتقل الرهان من كسب ثقة الناخبين إلى إثبات الحضور داخل المؤسسة التشريعية.
وتبرز أمام النائبات الثلاث ملفات متعددة، من بينها قضايا التنمية المجالية، وتقليص الفوارق بين المناطق، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، ودعم التشغيل، والنهوض بالعالم القروي، وتعزيز البنيات التحتية، فضلاً عن القضايا التي تهم جهة فاس-مكناس ككل.
وبالنسبة لجهة فاس مكناس وإقليم تاونات، الذي يواجه تحديات مرتبطة بالتنمية وفك العزلة وتحسين الخدمات الأساسية ودعم الاقتصاد المحلي، فإن وجود ثلاث برلمانيات منحدرات منه يرفع سقف انتظارات المواطنين، سواء تعلق الأمر بالترافع داخل البرلمان أو التواصل مع القطاعات الحكومية أو متابعة الملفات ذات الأولوية.
نجاح انتخابي أم بداية لمسؤولية أكبر؟

ومع الاحتفاء بهذه النتيجة، فإن القراءة الموضوعية لها تقتضي التمييز بين دلالة الفوز الانتخابي وبين الحصيلة البرلمانية التي ستأتي لاحقاً.
فالصناديق حسمت في تمثيلية الأسماء الثلاثة داخل مجلس النواب، لكن تقييم التجربة سيبقى مرتبطاً بما ستقدمه كل واحدة منهن خلال الولاية البرلمانية، من خلال المساهمة في التشريع، وممارسة الرقابة البرلمانية، والمشاركة في اللجان، والترافع عن القضايا المجالية، والتواصل مع المواطنين.
وبذلك، فإن الفوز الانتخابي الذي حققته كنزة الزاهر وحليمة الزومي ودنيا الزاهر يمثل محطة مهمة في مسارهن السياسي، لكنه في الوقت نفسه يفتح أمامهن مرحلة جديدة ستكون فيها الممارسة البرلمانية هي المعيار الأساسي لتقييم التجربة.
رسالة نسائية من تاونات إلى المشهد السياسي الجهوي
وبعيداً عن اختلاف الانتماءات الحزبية، فإن وصول ثلاث نساء من إقليم تاونات إلى البرلمان يحمل أيضاً رسالة مرتبطة بتطور حضور المرأة التاوناتية في الحياة العامة.
فالمشهد الجديد يبرز أن المرأة المنحدرة من إقليم تاونات الواقع بجهة فاس مكناس لم تعد حاضرة فقط في المجال الجمعوي أو المهني أو المحلي، وإنما أصبحت أيضاً جزءاً من المؤسسات المنتخبة على المستوى الوطني.
وتزداد أهمية هذا المعطى بالنظر إلى أن جهة فاس-مكناس نفسها سجلت حضوراً نسائياً لافتاً في انتخابات 2026، حيث أصبحت 12 امرأة ضمن التمثيلية البرلمانية للجهة.
وفي هذا السياق، يمكن النظر إلى الحضور التاوناتي الثلاثي باعتباره جزءاً من تحول أوسع في خريطة المشاركة السياسية للنساء بالجهة، دون أن يحسم ذلك مسبقاً في تقييم أداء النائبات، الذي سيبقى رهيناً بالممارسة الفعلية خلال الولاية البرلمانية.
تاونات أمام اختبار جديد
هكذا، تجد تاونات نفسها ممثلة بثلاث نساء داخل مجلس النواب الجديد، لكل واحدة منهن حزبها ومسارها وتجربتها، لكنهن يجتمعن في الانتماء إلى إقليم واحد.
كنزة الزاهر عن الاتحاد الاشتراكي، حليمة الزومي عن حزب الاستقلال، ودنيا الزاهر عن جبهة القوى الديمقراطية؛ ثلاث أسماء نسائية صنعت حضوراً تاوناتياً لافتاً في انتخابات 23 شتنبر 2026.
والآن، بعدما انتهى زمن الملصقات والحملات والخطابات الانتخابية، يبدأ زمن آخر أكثر صعوبة: زمن العمل البرلماني والتشريع والترافع والمساءلة والتواصل مع المواطنين.
فإذا كانت الانتخابات قد منحت النائبات الثلاث ثقة الناخبين، فإن المرحلة المقبلة ستمنحهن فرصة لتحويل هذه الثقة إلى ممارسة مؤسساتية ملموسة، وسيكون أبناء تاونات والجهة أول من يتابع ما ستقدمه هذه الوجوه النسائية الجديدة داخل البرلمان.
إنها، في نهاية المطاف، ثلاثة مسارات نسائية مختلفة، وثلاثة انتماءات حزبية متباينة، لكنها صفحة واحدة في سجل الحضور السياسي لإقليم تاونات ولجهة فاس-مكناس.
ألف مبروك…





