حميد الأبيض –فاس:”تاونات نت”//- يسافر الروائي الشاب يحيى الفضيلي ابن منطقة غفساي بتاونات، عبر النفس البشرية في “رحلة إلى الجنون” عنوان روايته الجديدة باللغة الفرنسية وصدرت حديثا عن دار بصمة للنشر والتوزيع، في ثاني عمل إبداعي له بعدما أصدر سابقا روايته “أنا والحياة” التي ساءل فيها الوجود الإنساني من داخل تجربة نفسية مأزومة.
ويتقاطع في هذا العمل السردي الأدبي الجديد، الروائي مع الفلسفي والإنساني مع النفسي، ليقدم تأملا عميقا في مفهوم الجنون بوصفه تجربة وجودية لا مجرد اختلال عقلي، محافظا بذلك على نفس نهجه في روايته الأولى ساءل فيها الوجود من منظور نفسي واختصر فيها كيفية تحول الاكتئاب لبنية حاكمة للسرد لا مجرد حالة عابرة.
وتدور أحداث “رحلة إلى الجنون” في مستشفى للأمراض النفسية يحمل دلالة رمزية واضحة باعتباره “ملجأ الروح” أين تتقاطع مصائر شخصيات متعددة أبرزها شخصية “دوب” المريض الغامض الذي يبدو كأنه مرآة كبرى تعكس هشاشة الإنسان وحدود العقل وعنف المؤسسة العلاجية حين تتحول لسلطة ضبط بدل أن تكون فضاء شفاء.
وبالتوازي تتابع الرواية مسار “جود” طالبة علم النفس الإكلينيكي التي تدخل المستشفى بدافع علمي، لكنها سرعان ما تجد نفسها منخرطة أخلاقيا وإنسانية في مصائر مرضاها خاصة حالة “ميرا” الشابة المصابة باضطراب ما بعد الصدمة نتيجة سلسلة من الفواجع العائلية والمشاكل الشخصية المتراكمة والمستعصية على الحل.
من خلال هذه الشخصية العصية على الفهم، يفتح النص نقاشا حادا حول الصدمة والجسد والذاكرة والعنف المسكوت عنه داخل العائلة والمجتمع، حيث لا يقدم الكتاب الجنون كاستثناء، بل كاحتمال كامن في كل ذات بشرية ويعيد مساءلة الحدود الفاصلة بين العاقل والمجنون والطبيب والمريض والجاني والضحية.
ويستثمر الفضيلي مرجعيات فكرية وفلسفية منها إشارات إلى فوكو والطب النفسي الحديث والقانون الجنائي، دون أن يفقد النص طابعه السردي والجمالي، ليتميز أسلوبيا بلغة شعرية كثيفة وصور جسدية قوية ومقاطع سردية تتراوح بين الاعتراف والتوثيق شبه الطبي والتأمل الفلسفي، ما يجعل الرواية “نصا هجينا”.
وحافظ يحيى التلميذ بثانوية الإمام الشطيبي، على نسقه في الكتابة بعدما استهله في روايته الأولى “أنا والحياة” لما حاول تبيان كيفية بناء شخصية “مكتئب” بوصفها ذاتا تعيش على إيقاع الفقد والتكرار والبحث العبثي عن معنى لا يكتمل، مشتغلا على العبثية الوجودية بوصفها إحساسا داخليا باللاجدوى، لا موقفا فلسفيا معلنا.
وتختصر الرواية كيف أن كل محاولة للنجاة عبر الحب أو الكتابة تنتهي إلى خسارة جديدة، وكأن الحياة تعيد إنتاج الألم في دورة مغلقة. هذا التكرار الواعي للأحداث والأسماء بنظر يحيى الفضيلي “يعمق الشعور بالدوران العبثي، حيث لا تقود التجربة إلى خلاص، بل إلى وعي أكثر حدة بالانكسار”.
وتعتمد رواية “أنا والحياة” بدورها أسلوبا تفكيكيا قائما على التشظي والاعتراف واللغة الشعرية الداكنة، ما يمنح السرد طابع اليوميات النفسية. وتتحول الكتابة داخل هذه الرواية وأصدرها قبل شهور قليلة عن دار النشر نفسها، إلى فعل مقاومة هش، لا ينقذ البطل بقدر ما يفضح عجزه أمام الموت والمرض والغياب.
لا تسعى رواية “أنا والحياة” إلى تقديم إجابات معينة عن أسئلة محددة سلفا، بل تراهن على طرح أسئلة وجودية مؤلمة حول معنى الحب وجدوى الاستمرار، وحدود الكتابة في مواجهة العبث. إنها “رواية حالة، تُجسّد الإنسان المعاصر وهو يصطدم بفراغ المعنى، ويكتب لا لينجو، بل ليؤجل السقوط” يقول الفضيلي في حديث صحفي له معنا.