الأسمدة العضوية..عندما تتحول كنوز صناديق القمامة إلى ذهب أسود “تجربة الشركة الناشئة PGPR Technologies نموذجا”

الرباط –خديجة بناجي: “تاونات نت”//- لم يعد الاقتصاد الأخضر موضة إيكولوجية براقة أو شعارا اقتصاديا تتناثر كلماته الرنانة في مؤتمرات رجال المال والأعمال، بل أصبح فلسفة وجودية تعيد نسج علاقة الإنسان مع الطبيعة بشكل انسيابي، بعيدا عن بريق الأرقام ومؤشرات البورصات وإغراءات الأرباح.
لقد أدرك رواد الاقتصاد والمال أن الربح الحقيقي ليس في الأوراق النقدية المكدسة في الحقائب الجلدية الأوتوماتيكية أو الحسابات البنكية السرية، بل الربح الحقيقي هو الاستثمار في الرأسمال الرمزي للثروات الطبيعية المتجددة من شمس ذهبية و تربة خصبة وهواء نقي وماء عذب.
إن الاقتصاد الأخضر في جوهره ليس ترفا فكريا معاصرا، بل صرخة ناعمة في وجه الجشع الإنتاجي للنهج الاقتصادي التقليدي الذي صنع رفاهية زائفة بموارد غير متجددة، أحدثت تشوهات جينية في ذبذبات المناخ و حبات التراب وقطرات المياه.
وفي وقتنا الراهن ،منح الاقتصاد الأخضر شهادة ميلاد جديدة للأرض التي عانقت رونقها الأخضر البهيج، واستعادت عافيتها بعد الاستئناس بفلسفة اقتصادية جديدة، تستحضر أهمية التناغم السحري بين الإنسان وأمه الأولى الأرض، بين طموحات الأجندات الاقتصادية و محدودية الثروات الطبيعية، بين نشوة الربح المادي و كابوس الانبعاثات الكربونية التي تركت ندوبا عميقة على أديم الطبيعة.
لذا جاء الاقتصاد الاخضر ليعيد للأرض ذاكرتها الخضراء ،ولينعش علاقتنا البكر مع رائحة التراب وعذوبة المياه ونسمات الرياح.

مفهوم الاقتصاد الأخضر: الانتقال من الاستنزاف إلى الازدهار
يرى الكثير من الاقتصاديين وعلماء البيئة أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر هو المفتاح الذهبي لإصلاح ما أفرزته النظم الاقتصادية التقليدية، خصوصا وأن الاقتصاد الأخضر يركز على جودة الحياة ونوعيتها، ويتناغم مع البيئة ويصادقها، ويحد من درجة تلوثها وتدهورها.
ويعتبر مفهوم الاقتصاد الأخضر مفهوما حديثا في الأدبيات البيئية والاقتصادية، إذ ظهر هذا المصطلح عام 2008 خلال برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ثم تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2009 عندما أصدرت قرارها بعقد مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة عام 2012، تحت عنوان “الاقتصاد الأخضر: هل أنت مشارك؟”. ومنذ ذلك الحين حظي مصطلح الاقتصاد الأخضر باهتمام العديد من البيئيين والاقتصاديين والسياسيين والإعلاميين وحتى الفلاحين، خصوصا وأن جوهر الاقتصاد الاخضر يعتمد على روح الابتكار والتجديد لتحويل الأنشطة الاقتصادية التقليدية إلى أنشطة صديقة للبيئة.
وقد تم إطلاق وتنفيذ أول استراتيجية فلاحية من نوعها في المغرب سنة 2008 من خلال مخطط المغرب الأخضر، الذي استند في فلسفته على ثلاثة ركائز هي: الفعالية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والحفاظ على الموارد المائية.
وقد برهنت التقييميات التي أجراها مهنيو القطاع لاسيما الغرف الفلاحية الجهوية والفيدراليات المهنية الفلاحية، عن النتائج الإيجابية التي تم تحصيلها سواء على مستوى نسبة الاستثمار أو معدلات الانتاج و كذا تحسين نمط حياة الفلاحين ورفاهيتهم.
لقد أعاد مخطط المغرب الأخضر مياه الحياة إلى وجه الفلاحة المغربية الذي أشرق وانتعش بعد أن تم الاستئناس بثقافة احترام النظام الإيكولوجي في مختلف تجلياته، وذلك من خلال تشجيع أنشطة اقتصادية تنسجم مع نبضات الطبيعة، وتتعارض مع كل التشوهات البيئية كالاحتباس الحراري وأزمات المناخ التي أرهقت الطبيعة و أربكت أجنحة توازنها… كما يشجع الاقتصاد الأخضر أيضا على تحويل أسلوب الهدر إلى فرصة إعمار واستثمار، خصوصا وأن الحفاظ على الموارد والثروات الطبيعية أصبح في ظل التحديات المناخية الراهنة مسألة بقاء أو فناء.
الفلاحة العضوية وفلسفة إعادة تدوير النفايات

تعتبر الفلاحة العضوية نبض الاقتصاد الأخضر، حيث يمتزج التراث مع الابتكار، الطبيعة مع التكنولوجيا، الفن مع العلم والحكمة مع الخبرة لخلق نظام فلاحي إيكولوجي يقدس تراب الأرض ويحترم هيبته ورونقه.
فالفلاحة العضوية ليست تقنية لغرس المنتوجات وجني محاصيلها فقط، بل فلسفة متناسقة تهدف إلى تحقيق التوازن بين المحصول الزراعي والموارد الطبيعية بأساليب عضوية تستحضر ذبذبات النظام الإيكولوجي، بعيدا عن شبح الكيماويات والمبيدات التي تدمر ولا تعمر، تستنزف ولا تنعش، تتلف ولا تنتج.
إن فلسفة الاقتصاد الأخضر تدعو إلى تحقيق التوازن بين التنمية وحماية الموارد الطبيعية، من خلال تعزيز السماد العضوي الطبيعي الذي يغذي التربة ويزيد خصوبتها دون أن يدمر بنيتها، وهذا التحول لا يحمي التربة والمياه فقط، بل يعيد إلى الأرض عافيتها التي طالما استنزفتها الأساليب غير المستدامة.
وفي إطار الجهود العالمية المبذولة للتخفيف من الضغط على الموارد الطبيعية والحد من التلوث البيئي، ظهرت مشاريع حديثة تروم إنتاج أسمدة عضوية من مكبات النفايات، وتتسم هذه العملية بالقدرة على تحويل النفايات العضوية إلى منتجات بيولوجية ذات قيمة بيئية واقتصادية.
إن إعادة تدوير النفايات العضوية هي رؤية مبدعة وتكتيك تقني لعقلنة وفرملة الاستهلاك المفرط للموارد الطبيعية، وأيضا لتخفيف العبء عن مكبات النفايات التي تكدست واختنقت بأكياس النفايات البلاستيكية والمعدنية والعضوية والخشبية والإلكترونية…
ولقد توقع تقرير حديث صادر مؤخرا عن البنك الدولي أن إنتاج المغرب السنوي من النفايات سيناهز 17،6 ملايين طن بحلول سنة 2050، في مقابل معدل 7،4 ملايين طن المسجل سنة 2022، مما يرشحه لاحتلال المراتب الوسطى في ترتيب دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وقد تم تخصيص ميزانية قدرها 27 مليار درهم لتنفيذ مشاريع هامة في قطاع تدبير النفايات المنزلية وغيرها، وذلك ضمن خطة تمتد من 2025 إلى 2034، وبشراكة بين وزارة الداخلية ووزارة الاقتصاد والمالية ووزارة الانتقال الطاقي من جهة ومجالس الجهات من جهة أخرى. وتهدف هذه الشراكة إلى تعزيز إدارة النفايات المنزلية وتحقيق مرامي التنمية المستدامة واستراتيجيات الاقتصاد الأخضر.
و على صعيد مؤشر إعادة تدوير النفايات، احتل المغرب حسب الإحصائيات الأخيرة المرتبة 71 عالميا، 9 عربيا و 5 على مستوى القارة الإفريقية. وهذا الترتيب يعكس بشكل جلي حاجة المغرب إلى تعزيز البنية التحتية والاستثمار في الاقتصاد الدائري لرفع معدلات التدوير وتثمين النفايات.
ومؤخرا، حرصت وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات بالمغرب على تشجيع المشاريع الخضراء في مجال الابتكار الفلاحي التي تسعى إلى تحويل النفايات إلى موارد، خصوصا وأن الاقتصاد الأخضر لا ينظر إلى هذه النفايات كعبء يثقل كاهل البيئة، بل كموارد وكنوز يمكن استردادها واستعادتها في دورة الانتاج الاقتصادي كمواد خام تدخل في دورة صنع منتجات جديدة.
وهذا التحول لا يقلص فقط من حجم النفايات بل يقلل أيضا من حدة الضغط على استخدام الموارد الطبيعية، وذلك عبر استخدام تقنيات مبتكرة تتناغم مع روح وفلسفة الاقتصاد الأخضر.
إنتاج سماد بيولوجي 100% من النفايات العضوية

“العقل كالحديقة إذا لم تزرع فيه الزهور، نمت فيه الأعشاب الضارة”، هذه حكمة شهيرة للأديب الفرنسي فيكتور هيغو تختزل في تعبير مجازي بليغ أهمية بذور الأفكار الزاهية في توجيه بوصلة عقولنا وصياغة ملامح مستقبلنا. فكل فكرة عظيمة تبدأ بحلم، وكل نجاح يبدأ بخطوة.
الشاب التطواني حمزة الخروبي الباحث في المجال البيولوجي نموذج إيجابي من النماذج المغربية الشابة التي آمنت أن عزف ألحان قيثارة التغيير البيئي تبدأ بالشغف.
جيناته العائلية أورثته حب ملامسة التراب وغرس بذور النباتات وتشذيب أغصان الأشجار، خصوصا وأن أسرته حرصت على تلقينه أبجديات العمل الفلاحي منذ الصغر، وغرست فيه قيم الحفاظ على الأنظمة الإيكولوجية إنتاجا واستهلاكا.
خاض غمار العمل الجمعوي منذ نعومة أظافره باعتباره فضاء ينهل منه مهارات التواصل وفن القيادة ومفاتيح تنفيذ المشاريع، وأيضا تقنيات الابتكار الاجتماعي للقضايا التي تهتم بالشأن البيئي والاقتصادي والاجتماعي.
يعترف الباحث حمزة الخروبي أنه داخل أروقة التنظيمات المجتمعية – خصوصا جمعية التعاون بتطوان التي ساهم في تأسيسها عام 2017- أتقن فن تدوير الخيبات والعثرات إلى ومضات أمل، واقتنع اقتناعا رياضيا أن معانقة وقطف أزهار الأحلام تستلزم أن تحارب حتى نفاذ ذخيرتك. وهذا ما استحضره في مختلف مراحل إنجاز مشاريعه البيولوجية بمعية فريقه.
شغفه بكل ما هو فلاحي أنضجه قبل الأوان، فدراسته لفنون الأدب الإنجليزي أكسبته فصاحة ولباقة مكنته من مصافحة المسؤولين، والجلوس في الصفوف الأمامية مع فاعلين بيئيين وسياسيين واقتصاديين مغاربة وأجانب بغية النهل من ثقافة التنمية المستدامة والفلاحة البيولوجية وطنيا ودوليا. كما حصل على ماستر في الأدب العربي تخصص النقد البيئي بجامعة عبد المالك السعيدي، وتخرج أيضا من برامج التميز في مجال الابتكار بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات.
كان الشاب حمزة يستغرب” من كمية الأسمدة الكيماوية التي يستهلكها المزارعون وحتى أصحاب النباتات المنزلية، ووجد أن السبب الرئيسي لهذا الاستهلاك هو ضعف الوعي بأهمية الأسمدة العضوية، إلى جانب الأثمنة الرخيصة التي تباع بها الأسمدة الكيماوية والمبيدات الحشرية”.

وفي هذا السياق صرح الباحث حمزة الخروبي لمجلة “صدى تاونات” وموقع “تاونات نت” أنه :”بعد أعوام من البحث العلمي مع شريكي في المشروع الباحث في المجال البيولوجي عبد الصادق أغرينن، اكتشفنا كيفية استخدام بكتيريا نافعة للفلاحة كأسمدة عضوية مع توظيف نفايات الحليب في إنتاجها، وأطلقنا منتوجا باسم BIAOLIZER، وبإشراف الدكتور الباحث يوسف أيت حمدان، اكتشفنا القيمة البيولوجية لنفايات الأسماك في تعويض الأسمدة والمحفزات الكيماوية وأطلقنا منتوجا ChitoGreen الذي يستفيد من هذه التقنية. كما اكتشفنا من خلال تجربة ميدانية تحت إشراف الأستاذ عثمان الميلودي، كيفية تحويل مخلفات المواشي إلى سماد من نوع الكومبوسط المتطور، وأطلقناه سنة 2025 كمنتوج جديد باسم Terrahumus”.
اهتمامه بكل ما بيئي، جعله ينغمس في تطوير حلول زراعية تتناغم مع نبض البيئة، فابتكر رفقة صديقه عبد الصادق أغرينن الباحث في المجال البيولوجي منتجا طبيعيا عبارة سماد بيولوجي يمكن استعماله في الفلاحة البيولوجية والفلاحة المستدامة، هذا السماد يتم استخراجه من بكتيريا تحفز نمو النباتات، و تستعمل من أجل تثمين المنتوجات الزراعية المرتبطة بالفلاحة البيولوجية تسمى بكتيريا PGPR إختصارا ل Plant Growth Promotion Rhizobacteria
وهذا السماد عبارة عن مسحوق صلب قابل للذوبان له مفعول يضاهي نتائج ومردودية الأسمدة الكيماوية، يضعه الفلاح في خزان الماء ويسقي به الحقول عبر تقنية التنقيط، وكل كيلوغرام من هذا المنتج البيولوجي يستعمل في تسميد مساحة واحد هكتار من الأرض.
ويتميز المنتج البيولوجي المبتكر بخصائص أساسية وهي:
أولا : يرفع من إنتاجية المحاصيل الزراعية.
ثانيا: يحفز نمو النباتات.
ثالثا: يلعب هذا المنتج دور المبيدات إذ يتمتع بالقدرة على محاربة بعض البكتيريا التي تضر بالنباتات.

وهذا المنتج البيولوجي يقوم بتقوية مناعة النباتات وتعزيز القدرة الإنتاجية، وقد حاز على إشادة فلاحين منحوا ثقتهم في جيل من الشباب ابتكر حلولا تدمج بين الثقافة الفلاحية التقليدية وتقنية البحث العلمي الميداني. وفي هذا الصدد يقول عمر فلاح بضواحي مدينة تاونات ” نصحني بعض الفلاحين بالمزارع المجاورة لي باستعمال الأسمدة البيولوجية باعتبارها الخيار الأفضل والأكثر أمانا، وتحديدا أسمدة شركة PGPR Technologies وبالفعل النتائج لحد الآن إيجابية، فهناك زيادة ملحوظة في الإنتاجية، وتحسنا في نوعية المحاصيل وجودة التربة. وهذه النتائج تتحقق دون إلحاق أية أضرار بالبيئة”. و في السياق ذاته، تضيف إيناس شابة تعمل في مشتل للنباتات بضواحي مدينة وزان: “بصراحة، بعد استعمالنا للأسمدة البيولوجية لشركة PGPR Technologies لاحظنا تحسنا كبيرا على مستوى نمو النباتات وكذا رونقها، فنحن هنا في المشتل عادة ما نستعمل “الغبار” كسماد طبيعي للنباتات، لا أنكر أن نتائجه أيضا إيجابية، لكن ما يميز منتوجات شركة PGPR Technologies هو السائل الخاص بالعناية بأوراق النباتاتChitozen، عندما نقوم برشه خصوصا على النباتات المنزلية التي تنمو في الظل، بصراحة نتائجه رائعة، كما أن الثمن مناسب وخدمة التوصيل جيدة مع ضمانات التعويض في حالة عدم استحسان نتائج المنتوج”.
: حلم أخضر يزهر من بقايا النفايات: PGPR Technologies شركة
رحلة ابتكار هذه الأسمدة كانت حسب الباحث حمزة الخروبي “ثمار العديد من الأبحاث الميدانية الجادة، توجت بتأسيس شركة PGPR Technologies سنة 2023 من طرف العضوين المؤسسين هما عبد ربه و الأستاذ عبد الصادق أغرينان، و ذلك بتمويل ذاتي مرفوق بدعم من جائزة برنامج U-Founders التابع لجامعة محمد السادس متعددة التخصصات، وكان الرأسمال الأول للشركة هو 100 ألف درهم، ومشروع إنشاء شركة ناشئة رأسمالها الحقيقي هو الشغف وروح الإصرار”. حسب الباحث حمزة الخروبي فقد واجهته العديد من الصعوبات على مستوى التمويل و التنفيذ. وفي هذا الصدد صرح أنه “على مستوى التمويل، يعود الفضل الكبير لإطلاق هذا المشروع إلى ثقة مجتمعنا المصغر من الأصدقاء والعائلة، الذين استثمروا ودعموا المشروع في بداياته، إلى جانب استثمارنا الذاتي كشركاء أنا و صديقي عبد الصادق أغرينن. كما ساهمت الجوائز المتعددة التي فزنا بها بالمساهمة بما يقارب 500000درهم، وهو مبلغ مهم ساعدنا على بلوغ سقف استثمار المشروع في مرحلته الأولى. أما بالنسبة للتنفيذ، فبالفعل، كل ما تعلمناه لم يكن كافيا للنهوض بالمشروع على أرض الواقع، فالميدان هو أفضل مدرب، والأخطاء تكلف الكثير، وهي أمور تعلمناها بالطريقة الصعبة خصوصا وأنه في بداية المشوار كان الفريق يتكون فقط من شخصين يؤمنان بالفكرة، ومعنيان مباشرة بالتحديات البيئية التي يعالجها المشروع اليوم، وهما عبد ربه حمزة الخروبي، وشريكي في المشروع الأستاذ عبد الصادق أغرينن. و بعد ذلك التحقت بالفريق شلة من المتطوعين الشباب، قدموا تضحيات كبيرة وتكلفوا بمسؤوليات مهمة إيمانا منهم برؤية المشروع. وهذا بصراحة ما يميز الشركات الناشئة ذات الأثر المستدام، إذ تستقطب المواهب الشابة لتقديم إبداعاتها ومجهوداتها. وحاليا يتكون الفريق من 7 أعضاء، ينقسمون إلى فريق في البحث العلمي والإنتاج، وفريق الإدارة والأعمال، حاملين رؤية مشتركة لتحويل 500 طن من النفايات يوميا إلى حلول فلاحية جادة”.

وحول أسباب اعتماد المشروع على بقايا الأسماك أكد الباحث حمزة الخروبي أن “مدينة تطوان تتنج أكبر كمية من نفايات السمك، وبالخصوص سمك القريدس على مستوى القارة الإفريقية، وذلك يعود لحضور مجموعة من الشركات المتعددة الجنسيات، والتي تقوم بعملية تقشير القريدس بالإقليم. مما يجعل حجم السوق مهما جدا بالنسبة لنا؛ إذ نقوم نحن باقتناء هذه النفايات والتكلف بمصاريف نقلها، وذلك حماية للبيئة من مختلف الأخطار البيولوجية التي تشكلها هذه النفايات إن لم يتم التعامل معها بشكل ذكي، وبعد أن نقوم بجمع النفايات العضوية المختلفة، وبالخصوص الأسماك وعشب المدينة ومخلفات المواشي، نأخذها إلى مختبرنا الكائن بمنطقة أزلا بضواحي مدينة تطوان، حيث نقوم بدمجها وتحويلها عبر تقنيات قمنا بتطويرها، فنحولها إلى منتوج سائل في قالب قنينات تشبه باقي المنتوجات الفلاحية، وذلك بهدف تسهيل الاستخدام بالنسبة للفلاحين، كما نقوم بتحويل مخلفات عملية إنتاجنا إلى سماد من نوع الكومبوسط، يباع في شكله النهائي بصيغة الأطنان في أكياس كبيرة من فئة 35 كلغ…”
وبخصوص حجم الإقبال على شراء المنتجات العضوية التي تنتجها الشركة الناشئة، أكد الباحث حمزة الخروبي أن” هناك إقبال مهم على المنتوجات على الصعيد الوطني والصعيد القاري، حيث تستهدف منتجاتنا الفلاحين البيولوجيين، وهم فئة مهمة من الفلاحين الذين يعانون من غلاء تكاليف إنتاجهم المهم، في الوقت الذي يكبر فيه سوق الفلاحة البيولوجية كل يوم”.
منصات التتويج …إعلان عن الانتقال من الهواية إلى الاحتراف
الأكيد أن فرحة التتويج هي إعلان ضمني أن خريطة الأمنيات وأزهار الأحلام التي كانت مخبأة في الأسطوانة الصلبة للذاكرة قد أصبحت واقعا.

وقد كشف حمزة الخروبي عن لحظات فوزه رفقة صديقه بالجائزة الأولى في المباراة الوطنية لوزارة الفلاحة، حيث حظيت شركة PGPR Technologies بتنويه الخبراء و المهتمين بالشأن البيئي لأن الشركة توظف ابتكارات علمية وتكنولوجية لتعزيز الانتاج الزراعي، والترويج للفلاحة الإيكولوجية التي تعتمد على الاسمدة العضوية، خصوصا و أن الشركة تضم دكاترة في مجال البيولوجيا الفلاحية، و أيضا أكاديميين ساهموا في تطوير الشركة وتألقها.
كما فازت الشركة أيضا بالجائزة الأولى لمسابقة “المغرب للشباب” في صنف المقاولة، و أوضح الباحث حمزة الخروبي في هذا السياق ” لقد تقاسمت مع صديقي وشريكي في المشروع لحظات عاطفية قوية عند التتويج بمختلف الألقاب، “أتذكر أول لقب في إطار مباراة وزارة الفلاحة للابتكار الفلاحي، حيث توجنا بالمرتبة الأولى، وخانتنا دموعنا بالانهمار من شدة الفرحة. من الرائع أن نحظى بالاعتراف بعد كفاح شديد في الكواليس، ونحن نقدر كل خشبة توجنا بها، ونريد أن نستغل الفرصة لنشكر كل من ساهم في تدريبنا وبنائنا، وكل من له الفضل في تتويجنا” . و أضاف قائلا ” إن الألقاب التي فزنا بها وطنيا وقاريا، سواء الجائزة الأولى في المباراة الوطنية لوزارة الفلاحة، وجائزة صانع التغيير على مستوى القارة الإفريقية، و جائزة المغرب للشباب، هي تكريم وتحفيز للشباب المغاربة الرائدين وحاملي لمشاريع الغد”.
وقد يلاحظ بعض متصفحي صفحة الانستغرام والفيس بوك للباحث حمزة الخروبي أنه يضع لقب “هاكي” وعندما سألناه عن سر لقب هاكي أجاب أن ” لقب هاكي يعود إلى عام 2012، حيث كنت إبن الرابعة عشر (14) من عمري، كانت آنذاك موجة من المهتمين بالثقافة اليابانية والأنيمي؛ إذ أن الجميع يستخدم أسماءً مستعارة في صفحات التواصل الإجتماعي، فحاولت أيضا من خلال معرفتي المحدودة آنذاك بالثقافة اليابانية أن أقوم بابتكار إسم بنفس المنطق السمعي لليابانية، فأخذت الحرف الأول من إسمي الشخصي ثم إسمي العائلي، فحصلت على HAKI اختصارا ل Hamza El Kharroubi أحببت هذا اللقب و قمت بوضعه على صفحات التواصل الاجتماعي، حتى اكتشفت خلال دراستي الجامعية سنة 2018 أن للقبي معنى رائعا في اللغة اليابانية حيث يدل على التأثير، القيادة والحضور القوي”.
هذه الرغبة في البحث عن حلول بيولوجية تعيد للأرض خصوبتها وعافيتها، جعلت حروف اسم حمزة الخروبي تتألق وتلمع رفقه شريكه الباحث البيولوجي عبد الصادق أغرينن على منصات التتويج الوطنية والإفريقية، وتم منحهما صكوك التقدير ونياشين الثقة بالزغاريد والتصفيقات، باعتبارهما مواهب مغربية واعدة أبدعت وبرعت في صياغة شهادة ميلاد جديدة للبيئة، بفضل مشروعهما الذي نجح في تحويل نفايات عضوية إلى أسمدة عضوية مخصصة للفلاحين البيولوجيين الذين ينتهجون الفلاحة المستدامة…
توقيع شراكات وطنية و دولية

هناك حكمة صينية تقول “المطر الغزير يبدأ بقطرات”، في إشارة الى أن تحدي البدايات غالبا ما يكون محفوفا بالهواجس والمخاوف وبثرثرة العيون الصامتة للأصدقاء قبل الأعداء، والذين احتاروا هل يضيئون مصابيح الأمل أم يكتفون فقط بترديد عبارات التمني الممزوجة بألغام الحذر.
على طول طريق منطقة أزلا الساحرة التابعة لمدينة تطوان، حيث تمتزج حمرة شقائق النعمان بزرقة المياه البحر وخضرة الأشجار، توجد شركة PGPR Technologies رأسمالها الحقيقي شباب يأمل في غد فلاحي أخضر، انصهرت جهودهم وتكاثفت من أجل تحقيق تنمية مستدامة من كنوز القمامة.
يشتغلون في أجواء مهنية وأخوية تشوبها روح التحدي والأمل، ويؤمنون بقدراتهم العلمية في صياغة مشاريع مبنية على روح الخلق والابتكار، خصوصا وأنهم يحرصون على تنمية ذواتهم بمواكبة مختلف المستجدات الفكرية والعلمية.
إشعاع منتوجاتهم البيولوجية لم يبق حبيس الجدران، بل حققت إشعاعا وطنيا و إفريقيا ودوليا، من خلال شراكات مهمة برهنت وبالملموس أن الشباب هم فعلا بشائر الغد المشرق.
وفي هذا الصدد صرح لنا الباحث حمزة الخروبي “قمنا أولا بشراكة مع شركة توزيع بدولة نيجيريا، حيث نقوم بتوزيع منتوجنا حصريا بالجهات الشمالية لهذه الجمهورية. كما وقعنا مؤخرا اتفاقية شراكة مع مكتب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، بهدف إطلاق مشروع جديد يروم تحسين الدخل من خلال نشاط إعادة التدوير وإنتاج الأسمدة العضوية. كما نشتغل عن قرب مع مؤسسات تتفرع عن مجلس الاتحاد الأوروبي، مجلس الاتحاد الإفريقي، وسفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالمغرب”.
ويؤكد الباحث حمزة الخروبي أنه “حان الوقت للتعامل مع النفايات كثروة اقتصادية وليس كعبء بيئي، كما يجب تحميل الشركات المنتجة للنفايات مسؤولية بيئية تتجلى في البحث عن شركاء لإعادة التدوير، بدل تسديد مبالغ جبائية فقط. و ينبغي على المؤسسات تشجيع الشركات التي تقوم بإعادة التدوير ودعم بنياتها التحتية”.

كما أن “ثقافة فرز النفايات على مستوى المنازل ليست ثقافة كمالية، بل ثقافة تساعدنا على تخفيض تكاليفنا المعيشية والاستثمار في مخلفاتنا القيمة جدا، كما أنها تساهم في بناء نمط عيش صحي نفسيا وبدنيا، يترك آثارا تربوية إيجابية”.
و على ذكر النفايات، فعامل النظافة أو بتعبير أكثر إنصافا مهندس النظافة هو المايسترو الحقيقي لنظامنا البيئي وصانع توازنه، يخوض يوميا حربا صامتة بين ورود الحياة وأشواكها، بين النظرات القاسية للبعض كأنها رصاصات من مسدس كاتم الصوت، وبين التحيات الدافئة للبعض الآخر تقديرا لانحناءات الظهر والأيادي التي ذاقت لسعات أشعة الشمس وتضايقت من رعشات البرد.
شباب وشياب كالأزهار البرية، يبتسمون أحيانا في خجل، وينغمسون بدون كلل في عملهم الذي لازال للأسف سبة اجتماعية “مول الزبل” والتي قد تغتال حتى بسمة أطفالهم وهم يلعبون ببراءة مع أقرانهم في رحاب الدروب أو ساحات المدرسة.
أحيانا يتبرم مهندسو النظافة في صمت عندما يدركون أنه لازال هناك أشخاص لا يميزون بين الطريق والرصيف، بين القمامة وصندوق القمامة. يرمون قاذوراتهم أينما شاءوا دون أي حس إنساني أو وطني. أمثال هؤلاء هم تهديد صامت للوعي الاجتماعي واغتيال معنوي لروح الإنسانية ونبض الطبيعة.
لكننا لا ننكر أن هناك استثناءات جميلة برهنت وبالملوس أن ريش الكرامة الإنسانية لا يمكن اختزاله في منصب رسمي أو رصيد بنكي، بل في الدراهم الحلال المرشوشة بقطرات العرق المنسابة على الجبين.
وقد كانت لحظات اعتراف بالجميل لمهندسي النظافة، عندما فضل الباحث المغربي عبد الله ويكمان بمدينة بني ملال مناقشة أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه في مجال هندسة البيئة، مرتديا ملابس مهندسي النظافة بدل القميص الأبيض والبدلة الرسمية وربطة العنق. كانت لحظات تاريخية أعادت البهجة والبشاشة إلى جغرافية وجوه مهندسي النظافة، الذين اعتبروا حفل التخرج بمثابة تتويج وجداني صادق اقتلع جذور الصورة الذهنية التي لدى البعض.
وقد تفاعلت وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب وخارجه مع هذا الحدث الاستثنائي في تاريخ الجامعات المغربية والعربية، والذي ينم عن سلوك العرفان وثقافة الشكر للخدمات الجليلة التي يقدمها مهندسو النظافة في صمت ودون كلل.
ومؤخرا ، أصبحنا أكثر وعيا ونضجا، وأغلقنا بالشمع الأحمر تصوراتنا البليدة حول مهندس النظافة، بدليل أن مهندس النظافة محفوظ وصديقه محسن حازا على نسبة مشاهدات مرتفعة على صفحات الانستغرام تصل إلى الملايين، و تمت استضافتهما في قنوات إذاعية وتلفزيونية، كما شاركا في حملات دعائية. ولا يتردد بعض المارة في التقاط الصور معهما بزيهما الرسمي وهما منهمكان في تفريغ مكبات النفايات، وقد قام محفوظ ومحسن بإصدار أغنية “أنا عامل النظافة ماشي مول الزبل” التي شاهدها أكثر من 9 ملايين وتفاعلوا معها، ومن المقرر عرضها على إحدى القنوات التلفزيونية. وربما هذا ما يبرر قولة هيلين كيلر الكاتبة الأمريكية العمياء والصماء بأن “العالم يتحرك إلى الأمام ليس فقط من خلال القادة والابطال الأقوياء، لكن أيضا من خلال مجموعة من الأعمال الصغيرة لكل عامل شريف”.

