“تربية الفرس في تيسة…” الخيل معقود في نواصيها الخير

تيسة عاصمة الفروسية

تيسة عاصمة الفروسية

رشيد الكويرتي من تاونات:نقلا عن جريدة”هسبريس”/تعد تربية الخيول في منطقة تيسة بإقليم تاونات، أو ما يعرف بقبائل الحياينة، نشاطا فلاحيا رئيسيا لدى أسر هذه القبائل وهواية؛ حيث لا يكاد يخلو إسطبل من إسطبلات الفلاحين بالمنطقة من فرس أو أكثر، فهم يعشقون الفرس عشقا لا حدود له، ويتقاسمون معه فضاء البيت ويعاملونه باهتمام وكأنه واحد من أفراد الأسرة.

وتتميز منطقة تيسة بتربية الفرس من الصنف العربي البربري المعروف بقوامه المتجانس وبمظهره الجميل وبحيويته ورشاقته، وبقدرته على التحمل والصبر، والفرس العربي البربري صنف هجين يجمع بين سلالة الفرس العربي وسلالة الفرس البربري.

أزيد من 800 فرس بتيسة

تقدر مصالح المديرية الإقليمية للفلاحة بتاونات عدد الخيول بمجموع تراب الإقليم بحوالي 1500 فرس، يوجد أكثر من نصف هذا العدد بمنطقة تيسة، التي توصف بكونها “مهد الخيول العربية البربرية”، والعدد المتبقي يتوزع على باقي ربوع الإقليم، وخاصة بمنطقة قرية ابا محمد، وتسهر على تأطير المربين بمنطقة تيسة، كما باقي ربوع إقليم تاونات، الحريسة الملكية الجهوية للخيول بمكناس.

وينتظم المربون للفرس بمنطقة تيسة في عدة جمعيات لتربية الخيول، أبرزها جمعية الوفاق لتربية الخيول بتيسة وجمعية بنديهاج للفروسية التقليدية، وهما جمعيتان ترومان النهوض بتربية الخيول العربية البربرية بالمنطقة، وتأطير أعضائها للمشاركة في المسابقات الوطنية لجمال الخيول “التكويدة” وسباق الخيل، وعروض الفروسية التقليدية، أو ما تسمى بـ”التبوريدة”، في المواسم والمهرجانات والاحتفالات الوطنية الكبرى؛ حيث استطاع المربون بتيسة وفرسانها التألق في العديد من التظاهرات الوطنية والدولية، وفازوا بجوائز مرموقة، سواء في جودة النسل أو في عروض الفروسية التقليدية، علما أن منطقة تيسة تحتضن لوحدها أزيد من سبع “سربات” للفروسية التقليدية، تضم أمهر فرسان “التبوريدة”، كل “سربة” تتكون من عشرين فارسا.

فترة الحمل والوضع .. عناية خاصة

حتى تضع أنثى الفرس مهرها في ظروف ملائمة، “لابد من إيلائها العناية الخاصة والمستمرة خلال فترة الحمل، وخاصة من ناحية الأكل الجيد وشرب الماء النقي وكذلك النظافة”، يقول عمر المداد، مربي خيول بتيسة وعضو جمعية بنديهاج للفروسية التقليدية، الذي أكد، في لقاء له بهسبريس، أنه حينما يقترب موعد الوضع عند أنثى الفرس يجب على المربي أن لا يفارقها وأن يراقبها باستمرار.

 

تربية الفرس ليست بالمهمة السهلة

تربية الفرس ليست بالمهمة السهلة

“عند الوضع، يجب التعامل مع أنثى الفرس كما تتعامل المُولدة (القابلة) مع المرأة الواضعة، فيتم ربط الحبل السري للمهر، كما يتم إزالة الحليب الأول من ضرع الفرس الأم، حتى لا يرضعه وليدها، فهو حليب قد يؤدي إلى ضياع المهر”، يؤكد عمر المداد، الذي أشار إلى أن أنثى الفرس فور وضعها لمولودها يتم إدخالها في إسطبل خاص ومنعزل عن باقي الخيول والحيوانات، حتى تمر فترة الرضاعة في أحسن الظروف.

وبالنسبة للمربين هناك من يفضل المهر الذكر لتدريبه على الفروسية التقليدية، وهناك من يفضل المهر الأنثى (المهرة) التي يتم استغلالها في التناسل وتكاثر القطيع.

تدريب المهر يبدأ من سنته الأولى

لتدريب المهر لدى قبائل الحياينة طقوس خاصة، فحين يبلغ عامه الأول يتم إخضاعه لتداريب خفيفة أهمها وضع رسن في فمه، وهي “الشكيمة” التي تربط حول أنف الفرس، وتكون عبارة عن حبل أو طوق مصنوع من الجلد يوضع لقيادته. أما عندما يبلغ المهر سنته الثانية، فيتم إخراجه من الإسطبل حتى يألف فراق أمه ويستأنس بالفضاء الخارجي.

بعد هذه المرحلة تبدأ مرحلة ركوب المهر، وذلك بامتطائه من طرف طفل من العائلة ليستأنس بالركوب على ظهره، ولا بد من تجنب الضوضاء والضجيج في محيط المهر حتى لا يتسبب له في الانزعاج، ما قد يجعل التعامل مع هذا الحيوان الوديع أمرا صعبا. كما يتم، في مرحلة موالية، جعل الفرس يتعود على سماع الأعيرة النارية الصادرة من البنادق المعبأة بالبارود، ليصبح مستعدا لإقحامه في “سربة” الفروسية التقليدية (التبوريدة)، مع تجهيزه بسرج جلدي مزركش ولجام بديع، ليألفهما ويعتاد عليهما.

القطاع يمر من وضعية صعبة

يمر قطاع تربية الخيول بمنطقة تيسة من ظروف صعبة، وتزداد معاناة المربين خلال المواسم الجافة؛ حيث يرتفع ثمن الأعلاف والكلأ، خاصة وأن الفرس العربي البربري يحتاج إلى كمية وفيرة من الغذاء حتى يكون في صحة جيدة. فهو في حاجة إلى البرسيم اليابس، الذي يعد من أفضل أنواع العلف لهذه السلالة من الخيول، بالإضافة إلى حاجته إلى الشعير باستمرار، فضلا عن التبن، الذي يعد الغذاء الرئيسي لخيول منطقة تيسة، بحكم وفرته، نظرا لكون زراعة القمح والشعير تعد نشاطا فلاحيا مهما بالمنطقة.

ورغم المصاريف الباهظة التي تتطلبها تربية الخيول، أكد لهسبريس مجموعة من المربين بتيسة على تشبثهم الدائم بهذا الموروث الثقافي، وطالبوا بمساعدتهم على الحفاظ على هذا النشاط عبر إعطاء القطاع العناية من طرف وزارة الفلاحة، وأكدوا على ضرورة توفير الفحول المختارة ودعم المربين وتشجيعهم، “فرب الأسرة أصبح يصرف على الفرس ما لا يصرفه على أفراد عائلته”، يقول عمر المداد، الذي أشار إلى أن تربية الفرس لم تعد نشاطا مربحا، وإنما حب الفلاح بمنطقة تيسة للفرس هو الذي يجعله يتمسك بتربيته والحفاظ على هذا التقليد المتوارث عن الأجداد، “فتربية الخيول أصبحت مكلفة، والدعم الوحيد الذي يتلقاه المربون يتمثل في 2500 درهم تسلمها الشركة الملكية لتشجيع الفرس للمربي عند ولادة مهر جديد”، يوضح المربي نفسه.

جوائز وبطولات

تمكن المربون للخيول بتيسة وفرسانها من حصد العديد من الجوائز والبطولات من خلال مشاركتهم في مختلف المسابقات الخاصة بالفرس، كمسابقة اختيار أجمل وأجود الخيول على الصعيد الوطني، وسباقات الخيل، وعروض الفروسية التقليدية.

فرسان تيسة يحصلون دائما على المراتب الأولى

فرسان تيسة يحصلون دائما على المراتب الأولى

ويعتبر الحسن المداد، الذي وافته المنية مؤخرا، أحد أبرز مربي الخيول بتيسة؛ حيث مثل المنطقة في العديد من المسابقات الخاصة باختيار أجود الخيول وفاز بجائزة أحسن مرب في واحدة من المسابقات التي احتضنتها مدينة مكناس، فيما تمكنت “السربة” التابعة لجمعية بنديهاج للفروسية التقليدية بتيسة من كسب عدد من المسابقات على الصعيد الوطني؛ حيث إن لهذه المجموعة تاريخا حافلا من المشاركات في البطولات التي تقام بدار السلام. فعبد الملك بنديهاج، مقدم هذه “السربة”، سبقت له المشاركة في أول بطولة للفروسية التقليدية نظمت بدار السلام، وبحوزته أكبر عدد من المشاركات في هذه البطولة التي توج فيها في أكثر من مناسبة، كما شارك المربي والفارس ذاته في معارض الفرس في كل من فرنسا وألمانيا.

للإشارة فقد أطلقت وزارة الفلاحة والصيد البحري إستراتيجية جديدة لتنمية قطاع الخيول بالمغرب في أفق سنة 2022. وتطمح هذه الإستراتيجية، التي أنيط بتنفيذها لـ”الشركة الملكية لتشجيع الفرس” (صوريك)، إلى إعادة الاعتبار للفرس ومنحه المكانة التي يستحقها داخل المملكة، عبر جعل سلسلته رافعة حقيقية للنمو الاقتصادي والاجتماعي. وترتكز الإستراتيجية على ثلاثة محاور رئيسية، وهي: تطوير الإنتاجية عند الخيول، والنهوض بتربية الفرس البربري، وضمان استدامة تمويل مختلف مكونات قطاع تربية الخيول.

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 6192

اكتب تعليق

لابد من تسجيل الدخول لكتابة تعليق.

2014 Powered By Wordpress, By MinِCom -- Copyright © All Rights Reserved - Taounate.Net

الصعود لأعلى