تبدو خيارات الدولة المغربية إزاء انتخابات مجلس النواب، في أكتوبر/تشرين الأول القادم، أمام امتحان إثبات انسجامها مع الدستور وأحكامه، ومسار الإصلاح في ظل الاستقرار. وفي حين سينحصر التنافس بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، فإن ما عداهما، سيبقى له دور مؤثِّر في بناء التحالفات المقبِلة.
يستعد المغرب لتنظيم انتخابات مجلس النواب في السابع من أكتوبر 2016، وهي الثانية في ظل الدستور الجديد لعام 2011 (العاشرة منذ استقلال البلاد عام 1956). ولأنها استحقاق بالغ الأهمية، من حيث السعي إلى تعميق الإصلاحات، وضمان الاستقرار، وتوطيد الديمقراطية، فإنها حبلى بالرهانات والتطلعات، سواء من قبل الدولة بوصفها محور السياسة، أو من لدن مختلف الفاعلين السياسيين.
وتنطلق الورقة من فرضية أن المعالم الكبرى للانتخاب المقبل تحددت في انتخابات 4 سبتمبر/أيلول 2015 الخاص بالبلديات والجهات، وأن المشهد السياسي والحزبي المغربي لا يشير إلى إمكانية حصول تغيرات جوهرية في الزمن القريب؛ حيث إن السباق نحو الفوز في الانتخابات المقبلة سينحصر بين حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وإن ما عداهما من الأحزاب، سواء من داخل الأغلبية الحالية، أو من المعارضة، سيكون لبعضها، وهو عدد محدود، دور في بناء التحالفات المقبلة، وما عداها، وهي كثيرة، لن تتجاوز مساهمتها مستوى تأثيث فضاء التعددية الحزبية ليس إلَّا.
أصبح معروفًا قانونًا وبشكل رسمي(1) أن تاريخ انتخاب أعضاء مجلس النواب المغربي(2) سيكون يوم الجمعة 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016، وهذا يعني أن المدة التي تفصلنا عن تنظيم الانتخابات لا تصل أربعة أشهر؛ حيث تُشكِّل الانتخابات القادمة ثاني استحقاق في ظل دستور عام 2011 بعد انتخابات 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، التي فاز بها حزب العدالة والتنمية وتولَّى رئاسة الحكومة(3). كما ستُمثِّل عاشرَ تجربة نيابية منذ أول انتخابات برلمانية جرى تنظيمُها في مايو/أيار عام 1963.
الانتخابات القادمة لها طبيعة خاصة يمكن إجمالها في عنصرين اثنين: يتعلق أولهما بكونها لاحِقة لانتخابات بلدية وجهوية تمَّ تنظيمُها في 4 سبتمبر/أيلول 2015، فحدَّدت عمليًّا قَسَمات ومعالم انتخابات 7 أكتوبر/تشرين الأول القادم، إن لم نجزم بأنها رسَمت خطوط التنافس، ونوعية القوى المتنافِسة. في حين يخُصُّ العنصر الثاني الحزبين السياسيين المُتوقَّع تصدُّرهما المشهد السياسي والتصارع من أجل قيادته، ويتعلق الأمر بحزب العدالة والتنمية، زعيم الأغلبية الحكومية والمسؤول عن صياغة سياساتها، والذي يحرص على الظفر بفوز جديد، يؤهِّله لقيادة العمل الحكومي واستكمال الإصلاحات التي أطلقها منذ تنصيبه دستوريًّا على رأس الحكومة في يناير/كانون الثاني 2012. ويُناظِرُه في هذا المسعى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي أُسِّس سنة 2008، والذي عرفَ صعودًا لافتًا في انتخابات عام 2009، قبل أن يَضطَرَّه حراكُ عام 2011 إلى الانكماش، ليعود ثانيةً إلى الواجهة في الانتخابات البلدية والجهوية في سبتمبر/أيلول الماضي؛ حيث فاز بالمرتبة الأولى من حيث المقاعد، متبوعًا بحزب الاستقلال، يليه في المرتبة الثالثة حزب العدالة والتنمية(4). وهو رغم حداثة تأسيسه، والطابع الهجين لتركيبته التنظيمية، وتوزُّع هُويته الأيديولوجية والفكرية على أكثر من رافد ومرجع، يُقدِّم نفسَه بديلًا عن حزب العدالة والتنمية.
يُعزِّز هذه الصورة حالُ الأحزاب الأخرى وهي كثيرة ومساهِمة في المشهد السياسي المغربي، بل كان عدد منها إلى وقت قريب فاعلًا أساسيًّا، كما هي حال أحزاب: “الاتحاد الاشتراكي”، و”الاستقلال”، وإلى حدٍّ ما “التجمع الوطني للأحرار”، و”الحركة الشعبية”. فإذا اعتبرنا نتائج اقتراع 4 سبتمبر/أيلول 2015 مُحدِّدًا قويًّا لما ستشهده انتخابات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016، فإن التنافس سيتمحور حول حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة، وستنحصر بالمقابل أدوار التنظيمات السياسية الأخرى في التحالفات التي سيحتاج إليها الحزب المتصدِّر لنتائج انتخاب أعضاء مجلس النواب المقبل.
ويبدو راجحًا جدًّا أن يشتدَّ التنافس حول الأشخاص ومواقعهم وخلفياتهم، أكثر من البرامج والأفكار والاستراتيجيات، كما ستعرف الساحة السياسية تجاذبًا حزبيًّا لحظة البحث عن بناء التحالفات لقيادة العمل الحكومي. ونُقدِّر في هذا الصدد أن يعرف المشهد السياسي” تحالفات الضرورة” غير المبنية إلزامًا على تقارب الميول الأيديولوجية والفكرية.
أولًا: خيارات الدولة:
يُفترض أن يكون خيارُ الدولة منسجمًا مع الدستور وأحكامه، وحماية الاختيار الديمقراطي وضمان احترامه من قِبل كل الفاعلين السياسيين. ولأول مرة يقع الإقرار بشكل واضح في الفصل الأول من الدستور الجديد لعام 2011 بأن الاختيار الديمقراطي ثابت من ثوابت الأمة(5)؛ وبذلك تكون الدولة ضامِنة هذا الاختيار، الذي ليست الانتخابات التشريعية النزيهة سوى إحدى تجلياته. وأناط الدستور بالملك بوصفه رئيسًا للبلاد مسؤولية احترام هذا الاختيار وسلامة ممارسته من قِبل المواطنين، سواء كأفراد، أو كجماعات في شكل أحزاب وهيئات وتنظيمات سياسية، وهو ما تمَّ التأكيد عليه في صدر الفقرة الأولى من الفصل الثاني والأربعين من الدستور الجديد 2011(6).
للدولة، علاوة على الواجبات المنوطة بها بمقتضى الدستور، أدوار ورهانات تروم تحقيقها من الانتخابات المقبلة، أبرزها المحافظة على مسار ديمقراطي وإصلاحات منتظِمة بدأت منذ العشرية الأخيرة من القرن الماضي. لذلك، فإن “الإصلاح ضمن الاستمرارية” بُعد أساسي في استراتيجية الدولة في علاقتها بالفاعلين السياسيين. إن الدولة بوصفها شبكة معقدة من الأجهزة والمؤسسات، ومنظومة من السلطات والمسؤوليات، لابد أن تمارس هذا الدور ضمن سياق المعطيات الناظِمة له والمتحكمة في اتجاهاته العامة، فهي ليست مؤسسة محايدة بلا روح، إنها جهاز قادر على التفاعل والتأثير والتأثر، بما يعتمل داخله، وما يحيط به من معطيات ومتغيرات. وتمتلك المؤسسة الملَكية بوصفها عصب الدولة مداخل وإمكانيات بمقتضى الدستور لممارسة السلطة وتدبير علاقاتها بالفاعلين السياسيين.
ثانيًا: خيارات الفاعلين السياسيين:
يُدرك الفاعلون السياسيون أهميةَ انتخابات أكتوبر/تشرين الأول القادم في رسم صورة المشهد السياسي المغربي للسنوات المقبلة. لذلك تدل المؤشرات العديدة على ارتباك داخل النخبة السياسية، وفي العلاقة في ما بينها. فمن جهة، تغلب على خطاباتها لغة التجاذب غير المبني على الإقناع البرامجي والحوار المؤسَّس على الاعتراف المتبادل، وكثيرًا ما تهيمن نزعة الخطاب الشعبوي والتجريح، وهو ما لا يمكِّن الأحزاب من القيام بأدوارها الدستورية في تأطير المجتمع.
واستنادًا إلى فرضية ارتباط انتخابات 7 أكتوبر/تشرين الأول 2016 بنتائج الانتخابات البلدية والجهوية في سبتمبر/أيلول الماضي، فإن صورة الخيارات كما تظهر الآن لدى الفاعلين السياسيين، تبدو كالآتي:
1. عَين “العدالة والتنمية” على ولاية ثانية:
يُدافع قادةُ حزب العدالة والتنمية عن أن ظفرهم بولاية ثانية في الانتخابات القادمة، سيُمكِّنهم من استكمال الإصلاحات التي شرعوا فيها منذ فوزهم في انتخابات 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011، كما سيمنَح شعارهم المركزي “الإصلاح ضمن الاستقرار” القوةَ والحظوظ لجني الثمار المنتظَرة منه. أمَّا مصدر قوتهم في الدفاع عن هذا الأفق، فيكمن أولًا في تقييمهم الإيجابي لحصيلة أدائهم على رأس الحكومة منذ عام 2012، ودورهم المركزي في تجنيب المغرب موجةَ الاضطراب وعدم الاستقرار، التي أضعفت عددًا من البلاد العربية. ويؤكدون ثانيًا على أن نتائج انتخابات 4 سبتمبر/أيلول 2015 أثبتت بوضوح استمرارَ شرعيتهم كحزب يحظى بقبول شرائح واسعة من المجتمع المغربي، بما فيها الطبقة الوسطى وشرائح نشيطة في المجال الاقتصادي.





