بين هزيمة تُحلَّل وهزيمة تُؤَوَّل: ماذا تكشف كرة القدم عن وعي الشعوب؟

Taounate20 يوليو 2026
بين هزيمة تُحلَّل وهزيمة تُؤَوَّل: ماذا تكشف كرة القدم عن وعي الشعوب؟

بقلم: برحايل عبد العزيز*-تاونات:”تاونات نت”//-لم يكن إطلاق صافرة النهاية في مباريات المونديال الأخير مجرد إعلان عن نهاية مغامرة كروية لمنتخبات كبرى، بل بدا، في جوهره، لحظة مكاشفة جماعية وضعت الشعوب أمام مرآة وعيها الجمعي. فبينما عاش الشارع الفرنسي على وقع خيبة إقصاء منتخب «الديوك» أمام إسبانيا، وجد الشارع المغربي نفسه بدوره أمام صدمة مماثلة عقب خروج «أسود الأطلس» من المنافسة. غير أن الفارق بين المشهدين لم يصنعه المستطيل الأخضر وحده، بل أظهرته، إلى حد كبير، الطريقة التي جرى بها التعامل مع الهزيمة، وطبيعة النقاش العمومي الذي أعقبها.

فالهزيمة الرياضية لا تكشف بالضرورة مستوى الفرق داخل الملعب فحسب، بل قد تكشف أيضاً طبيعة الوعي الجماعي خارجه. ومن هنا يبرز سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في دلالته: هل نملك القدرة على وضع كرة القدم في حجمها الطبيعي، أم أننا نمنحها أحياناً أكثر مما تحتمل، فنحوّل مباراة رياضية إلى قضية تتجاوز حدود الرياضة وتستدعي تأويلات لا علاقة لها بالملعب؟

في جانب من النقاش الذي رافق الإقصاء الفرنسي، بدا التركيز منصبّاً أساساً على الجوانب التقنية والتكتيكية للمباراة، وعلى اختيارات المدرب، وأداء اللاعبين، والفعالية الهجومية والبدنية. وحتى عندما ارتفعت نبرة النقد في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، ظل جزء مهم من النقاش مرتبطاً بأداء المنتخب وقراءته للمباراة. وبعبارة أخرى، جرى التعامل مع الهزيمة، في جانب معتبر من الخطاب المتداول، باعتبارها نتيجة قابلة للتحليل والنقاش، لا لغزاً يستدعي البحث عن تفسيرات تتجاوز منطق المنافسة الرياضية.

في المقابل، كشف النقاش الذي أعقب الإقصاء المغربي، ولا سيما في بعض فضاءات التواصل الرقمي، عن جوانب أخرى تستحق التأمل. فإلى جانب التحليلات الرياضية الجادة، ظهرت قراءات عاطفية وتأويلات غير مؤسسة، ذهبت أحياناً إلى التشكيك في نيات بعض اللاعبين، أو إلى ربط نتيجة المباراة بتفسيرات سياسية وتاريخية بعيدة عن المعطيات الرياضية المباشرة. بل إن بعض الوقائع التاريخية، مثل اتفاقية «إكس ليبان»، استُدعيت في سياقات لا تبدو مرتبطة منطقياً بنتيجة مباراة كرة قدم.

ولا يتعلق الأمر هنا بالحكم على مشاعر الجمهور أو التقليل من قيمة الحزن الذي يرافق الإقصاء. فالشغف بالمنتخب الوطني شعور مشروع، بل يمثل، في كثير من الأحيان، أحد مظاهر الانتماء الجماعي. غير أن الإشكال يبدأ عندما يتحول الانفعال إلى بديل عن التحليل، وحين تصبح نظرية المؤامرة ملاذاً نفسياً للهروب من الاعتراف بإمكان وجود أسباب رياضية وتقنية واضحة للهزيمة، من قبيل الإرهاق البدني، أو محدودية الخيارات على دكة البدلاء، أو الأخطاء الفردية، أو سوء تدبير بعض لحظات المباراة.

ومن هذا المنظور، فإن تحويل الخسارة الرياضية إلى «مؤامرة» قد لا يكون سوى آلية دفاعية يلجأ إليها الوعي الجمعي أحياناً لتجنب مواجهة حقيقة أكثر بساطة، وإن كانت أكثر إيلاماً: قد يخسر الفريق لأنه لم يكن الأفضل في ذلك اليوم. وقد يكون وراء النتيجة قصور تكتيكي أو بدني أو ذهني، من دون الحاجة إلى استدعاء التاريخ والسياسة لتفسير كل إخفاق.

ومع ذلك، سيكون من غير المنصف إنكار الرصيد المهم الذي راكمه المغرب خلال السنوات الأخيرة على مستوى القوة الناعمة. فقد أسهم الحضور المغربي في المنافسات الرياضية الكبرى في تعزيز صورة البلاد وإثارة اهتمام دولي متزايد بها. كما خلفت صورة المشجع المغربي، في عدد من المحطات الدولية، انطباعاً إيجابياً عكس الحماس والانفتاح والقدرة على الاحتفال الجماعي.

غير أن القوة الناعمة، مثلها مثل أي رصيد رمزي، ليست امتيازاً دائماً ولا مكسباً مضموناً إلى الأبد. فهي تحتاج إلى تجديد مستمر، وإلى منظومة من القيم والوعي والثقافة القادرة على حمايتها. فالصورة الإيجابية التي تصنعها الرياضة لا ينبغي أن تتحول إلى بديل عن الأسئلة الحقيقية المرتبطة بالإنسان والتعليم والثقافة والتنمية.

وفي هذا السياق، وبينما يستعد المغرب لاستحقاقات كبرى، من بينها تنظيم كأس العالم 2030، يبرز رهان مواز لا يقل أهمية عن تشييد الملاعب وتطوير البنيات التحتية، وهو الاستثمار في الإنسان. فالملاعب الحديثة ضرورية، والتنمية المادية أساسية، غير أن أي نهضة حقيقية تظل مرتبطة بقدرة المجتمع على بناء عقل نقدي، وعلى التمييز بين الخبر والإشاعة، وبين التحليل والانفعال، وبين الوطنية الصادقة والمتاجرة بالمشاعر.

إن اختزال الهوية الوطنية أو الوعي المجتمعي في كرة القدم وحدها يظل اختزالاً مضراً. فالرياضة، في جوهرها، ليست مجرد انتصارات وكؤوس، بل مدرسة للانضباط واحترام المنافس والتواضع عند الفوز والقدرة على تقبل الهزيمة. وحين يتحول الإخفاق الرياضي إلى مناسبة لتبادل الاتهامات وإنتاج التأويلات غير المؤسسة، فإننا نكون قد ابتعدنا عن المعنى الحقيقي للرياضة، وربما حمّلناها ما لا تحتمل.

لقد كان الإقصاء، أياً كانت أسبابه الرياضية، مناسبة أخرى للتأمل في علاقتنا بالانتصار والهزيمة. فكما احتفلنا بانتصارات المنتخب واعتبرناها لحظات وطنية جامعة، علينا أيضاً أن نمتلك الشجاعة الكافية لتقبل لحظات الانكسار وتحليلها بقدر أكبر من الهدوء والموضوعية. فالمجتمع الذي لا يعرف كيف يواجه هزيمته، قد لا يكون قادراً، بالضرورة، على فهم حقيقة انتصاره.

وقد يأتي زوار المغرب في أفق 2030 لمتابعة مباراة، لكن الصورة التي ستترسخ في أذهانهم لن تتشكل داخل الملاعب وحدها. فسيحكمون، بشكل مباشر أو غير مباشر، على مستوى الوعي في الشارع، وعلى طبيعة النقاش العمومي، وعلى جودة الخدمات، وعلى رقي التعامل.

لذلك، نعم، لنبنِ الملاعب ونطور البنيات التحتية، لكن لنبنِ العقول أولاً. فالمجد الحقيقي لا تصنعه النتائج وحدها، ولا تقاس قيمته بعدد الانتصارات والكؤوس، بل تصنعه قدرة الإنسان على تحويل النجاح إلى وعي، والهزيمة إلى درس، والشغف إلى طاقة بناء.

 ذ. عبد العزيز برحايل *:إطار تربوي وإعلامي/تاونات

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة