هذا ما قاله الدكتور مصطفى الكثيري المندوب السامي في الندوة الوطنية حول “معركة وادي اللبن” بتاونات

خاص-تاونات:”تاونات نت”/- بمناسبة تخليد الذكرى الـ68 لعيد الاستقلال المجيد، نظم منتدى كفاءات إقليم تاونات ندوة وطنية غير مسبوقة  تحت عنوان لا “معركة وادي اللبن:محطة مضيئة في تاريخ المغرب الحديث” يوم 24 دجنبر 2023 بقاعة الندوات بالمركز الإقليمي للتكوين المستمر بمدينة تاونات ؛بمشاركة الدكتور مصطفى الكثيري المندوب السامي للمقاومة وجيش التحرير الدكتور عبد الواحد وجيه (أستاذ جامعي ورئيس مؤسسة التوجيه للبحوث والمعرفة؛ينحدر من تاونات) والدكتور خالد سرتي (أستاذ جامعي بالدارالبيضاء)والدكتور رشيد بنعمر (أستاذ جامعي بفاس) والدكتور عبد اللطيف محفوظ (أستاذ جامعي بالدارالبيضاء؛صاحب رواية “واد اللبن”) وبتسيير الأستاذ سعيد الغولي (الكاتب العام لمنتدى تاونات) .

   وقد قام بالتعقيبات على هذه الندوة كل من الصحافية مريم الصافي (مديرة إذاعة فاس الجهوية؛ تنحدر من تاونات) والصحافي والكاتب الحسين الحياني  (ينحدر من تاونات).

  ونظرا لمضامين الكلمة التي ألقاها الدكتور مصطفى الكثيري المندوب السامي للمقاومة وجيش التحرير في هذه الندوة التي حضرها العديد من الشخصيات والفعاليات وعلى رأسها : الوزير الأسبق ادريس مرون وزير التعمير وإعداد التراب الوطني والكاتب العام لعمالة إقليم تاونات بوبكر كلوش نيابة عن عامل الإقليم صالح دحا ورئيس جماعة تاونات النائب البرلماني عبد الله البوزيدي بردان وباشا المدينة سلامة الدويحة الخليفة الأول لعامل الإقليم والمستشار البرلماني خالد السطي.

وفيما يلي نص الكلمة:

الصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وأصحابه أجمعين

  • السّيد الكاتب العام لعمالة إقليم تاونات  نيابة عن السيد عامل الإقليم ؛
  • السّيد إدريس الوالي رئيس منتدى كفاءات إقليم تاونات؛
  • السادة البرلمانيون؛
  • السّيدات والسادة أعضاء منتدى كفاءات إقليم تاونات؛
  • السّيدات والسّادة الأساتذة الأكاديميون والباحثون والمهتمون؛
  • السيدات والسّادة ممثلو المنابر الإعلامية ووسائل الاتصال؛
  • الحضور الكريم.

أود في مستهل كلمتي أن أجزل الشكر والثناء والتقدير” لمنتدى كفاءات إقليم تاونات” على دعوته الكريمة لي للمساهمة في تنشيط هذه الندوة الوطنية في موضوع: ” معركة وادي اللبن: محطة مضيئة في تاريخ المغرب الحديث”

نلتقي اليوم في هذه الحاضرة  ذات الخلفية والرمزية التاريخية  وبين هذا الحضور المتميز والنوعي والحاشد  من مختلف الفئات والأعمار، لتقديم قراءات في إحدى المحطات التاريخية الوطنية الوضاءة، التي كتبها أبناء هذه الربوع بِحِبْر الصبر على ورق اليقين ضمن سفر الوطن.  ويتعلق الأمر بمعركة لم يُكتب عنها ما فيه الكفاية، أو لنقل لم يكتب عنها إلا نزر يسير لا يشفي الغليل. ومرد ذلك إلى طبيعة ثقافة المؤرخ المغربي في تلك الفترة، والتي هي ثقافة كانت تقوم على الاختصار والاختزال من قبيل (ما قل ودل)، وإبراز المهارات والقدرات في إعمال اللغة وتطويعها من خلال اعتماد الاقتباس والبلاغة اللغوية من سجع وكناية في  تبليغ المراد؛ وهذا ما سنقف عليه  في متن هذه المساهمة الفكرية.

لعله من المفيد قبل التطرق لموضوع الندوة، الإشارة إلى أن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير قد نشرت مجموعة من الأبحاث والدراسات ومخرجات الندوات العلمية التي تناولت تاريخ منطقة تاونات إبان فترة الحماية، نذكر من بينها على سبيل المثال لا الحصر، ما يلي:

  • أشغال وفعاليات الندوة العلمية في موضوع: “المقاومة والحركة الوطنية بجهة تازة-الحسيمة-تاونات 1900 – 1956م”؛
  • أشغال وفعاليات الندوة العلمية حول موضوع: “المقاومة المسلحة والحركة الوطنية بإقليم تاونات 1912- 1956م” ؛
  • العلامة محمد القري، شهيد الوطنية ودفين الصحراء: حياته وآثاره؛
  • دائرة ورغة العليا خلال فترة الحماية: التدخل الاستعماري الفرنسي واستراتيجية تدبيره للشؤون الأهلية والحدودية (1912-1956م).

الحضور الكريم:

إن التناول التاريخي لحاضرة تاونات وباديتها يدعونا أولا للحديث عن موقعها في مقدمة جبال الريف على الطريق المؤدية إلى فاس، مما يجعلها من الناحية الاستراتيجية بوابة من بوابات فاس، ولا نجانب الصواب إذا قلنا إنها كانت تمثل القفة الغذائية للمدينة والمخزن الذي يزود تُجَّارها. كما كانت، برجالها، حامية لخاصرتها من الجهة الشمالية الغربية منذ أن وجدت فاس قبل 14 قرنا ونيف. 

وإذا كانت تاونات الحاضرة لم تتشكل معالمها كما نعرفها اليوم إلا مع بداية القرن العشرين إبان فترة الحماية الفرنسية على المغرب، فإن المنطقة كانت آهلة بسكانها منذ عصور قديمة. فحينما مر الحسن الوزان، صاحب كتاب وصف إفريقيا، بمنطقة تاونات، في القرن السادس عشر الميلادي، ذكر بأنها مأهولة بالسكان، وأغلبهم مستقرون بجبالها. وعلى سبيل المثال لا الحصر، تحدث عن جبل بني وليد قائلا: ” هذا الجبل شاهق صعب المسالك، سكانه أغنياء… يضم ستين قرية كلها غنية”. بالإضافة إلى جبل مرنيسة الذي يتحدث عن قاطنيه بقوله: “يرجع أصل سكانه إلى نفس أصل سكان جبل بني وليد ويضاهونهم غنىً وحريةً وشرفا “. وعن جبل بني زروال يقول  الحسن الوزان: “عدد القرى والمداشر في هذا الجبل لا يحصى، يضم بعضها مائة كانون وبعضها مائتين،…وفي هذا الجبل مدينة صغيرة متحضرة تحتوي على كثير من الصناع وتحيط بها أغراس كثيرة من الكروم وأشجار السفرجل والليمون، تُحْمَلُ ثمارها إلى فاس وتُصنع في هذه المدينة كمية صالحة من الثياب، وفيها قضاة ومحامون، لأنه عندما يقام السوق، يجتمع فيه أناس كثيرون من الجبال المجاورة . نحن إذاً أمام حاضرة نموذجية بالمغرب خلال القرن 16م، بها مرافق وحرف ووظائف وصناعات وهي محاطة بضيعات فلاحية. هذا إلى جانب ذكر الحسن الوزان لجبال أخرى  عامرة في المجال التاوناتي لا يسع المجال للوقوف عند تعاريفها وأوصافها .

هذه المعطيات التاريخية تقتضي أن نستحضرها ونحن بصدد الحديث عن معركة طواها النسيان وحجَبَت عنا قصتها ندرة المصادر التي تناولتها بل ولنقل إنعدامها. إنها معركة وادي اللبن، التي استنكف المؤلف المجهول صاحب  كتاب الدولة السعدية الدرعية التكمدارتية من الوقوف عندها وهو الذي لم يترك شاردة ولا واردة حول الدولة السعدية إلا وذكرها في كتابه الذي حققه جورج كولان، لكن يبدو أن هذا المؤلِّف لم يَكُنْ يُكِنُّ تعاطفا لهذه الدولة وسلاطينها، مما جعله يغض الطرف عن هذه المعركة التي حالت دون أفول نجم الدولة السعدية.

 وحتى ابن القاضي وهو أحد مؤرخي البلاط السعدي الذي نقل عنه أحمد بن خالد الناصري في كتابه “الاستقصا في دول المغرب الأقصى” لم يقدم تفاصيل وافية بشأنها خلال حديثه عن فترة حكم الغالب بالله بن محمد الشيخ السعدي. وجاء عند الناصري في الجزء الخامس من كتابه في الصفحة 39 ” وفي سنة خمس وستين وتسعمائة، في جمادى الأولى، منها، غزاه خير الدين بن حسن باشا التركي، صاحب تلمسان في جيش كثيف من الأتراك، فخرج إليه السلطان الغالب بالله، فالتقيا بمقربة وادي اللبن من عمالة فاس، فكانت الدَّبْرَةُ على حَسَن، فرجع منهزما يطلب صياصي الجبال إلى أن بلغ باديس”. هكذا لخص ابن القاضي معركة واد اللبن حتى كاد أن يفرغها من محتواها التاريخي ومضمونها العسكري.

جاء في إحدى الدراسات، أنه وحسب رسالة موجهة من السلطان عبد الله الغالب إلى ثلاثة من قواده، فإن الموقعة جرت في جمادى الأولى من العام خمس وستين وتسعمائة للهجرة الموافق لـ أبريل عام 1558 للميلاد، حيث التقى الفريقان بوادي اللبن المتفرع عن وادي إيناون، وهو واحد من فروع وادي سبو. وكان السلطان السعدي وهو متوجه للمعركة يحمل مسؤوليتين عظيمتين، مسؤولية الثأر لأبيه الذي غدر به حرسه الخاص من الأتراك، ومسؤولية ضمان استمرارية الدولة السعدية الناشئة والحفاظ على استقلال المغرب الأقصى.

استمرت المعارك لثلاثة أيام قُضي فيها على أغلب العساكر والجند المهاجمين. وفي الخامس من أبريل، فرّ من بقي منهم إلى وادي ورغة طلبا للنجاة، إلا أن رجال عبد الله الغالب أحاطوا بهم مرة أخيرة وغنموا من خيلهم وعدتهم وعتادهم الشيء الكثير، ولم ينج منهم سوى نفر قليل مع قائدهم حسن حيث تقهقروا وعادوا لإيالتهم عن طريق البحر.

وبالنظر لحساسية المرحلة التي كان يمر منها المغرب، والتي كانت مرحلة إنتقالية تميزت بعدم استتباب السلطة لأسرة بعينها في خضم الصراع الذي كان قائما بين بقايا أسرة بني وطاس والأسرة السعدية وحتى بين أفراد هذه الأسرة الأخيرة، فإننا نخلص للقول بأن معركة وادي اللبن تضاهي في أهميتها معركة وادي المخازن. فإذا كانت الثانية قد أوقفت الزحف المسيحي نحو المغرب، فإنه فبفضل الانتصار في معركة وادي اللبن تم إبعاد الخطر التركي عن المغرب، خاصة وأن العثمانيين كانوا يعتقدون أن هذه المعركة هي المفتاح الذي سيحقق حلم ضم المغرب لإمبراطورتيهم، وجعلت الأتراك العثمانيين يسلمون بأن المغرب الأقصى موقعه في منظومة علاقاتهم هو الحليف  وليس الغريم.

هذه المعطيات التاريخية وعناصر التحليل ذات الدلالات والمعاني العميقة، لابد وأن فرنسا كقوة استعمارية وهي تخطط  للسيطرة على المغرب نهاية القرن 19 وبداية القرن 20 قد استحضرتها وأخذتها في الحسبان، ويظهر هذا من خلال إلقاء نظرة على خريطة تحديد مناطق النفوذ بين الاستعمارين الفرنسي والإسباني في هذه المنطقة بالذات؛ بحيث لم تشأ فرنسا الاستعمارية أن تتحمل لوحدها عبء السيطرة على المجال التاوناتي وإخضاع قبائله؛ ونفهم التخوف الفرنسي حينما أعلنت قبائل بني زروال الواقعة بمحاذاة حوض ورغة، الانضمام إلى الثورة الريفية، وهو الحادث الذي استغلته القوة الاستعمارية الفرنسية لإعلان التحالف مع الإسبان للقضاء على الثورة الريفية بقيادة البطل محمد بن عبد الكريم الخطابي، مستندة في ذلك في كون أن الاتفاق الفرنسي-الاسباني بخصوص تحديد مناطق النفوذ قد حسم في مسألة تقسيم المجال، حيث جعل قبائل حوض ورغة في قسمين شمالها للإسبان وجنوبها للفرنسيين.

وعودة إلى معركة وادي اللبن، فمما لا شك أن هذه المعركة انتصبت في قلب التدافع المغربي العثماني خلال القرن السادس عشر لتحديد مجالات السيادة والحكم، فالمؤكد تاريخيا أن دولة المغرب الأقصى ظلت وحدها خارج دائرة سلطة الإمبراطورية العثمانية من دون سائر بلدان الشمال الإفريقي. واستحضارنا اليوم لمعركة وادي اللبن يوضح بجلاء الموقف التاريخي للدولة المغربية من تلك العلاقات .

ورغم اختلاف وتباين نظرة الواحد للآخر وسياسة واستراتيجية كل طرف تجاه الطرف الثاني، فقد قامت علاقات وثيقة وعريقة بين المغرب والدولة العثمانية /تركيا منذ القرون الوسطى وتوطدت بعد انتصار المغرب في معركة وادي المخازن في القرن 16م في مواجهة الغزو البرتغالي، والذي ساهمت فيه قوة تركية جاءت مرافقة  للأخوين عبد الملك و أحمد لما ذهبا للباب العالي طلبا للعون من أجل استرداد حقهما في الملك الذي آل لابن عمهما من غير وجه حق.

وعلى سبيل الختم، نشير إلى أن المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وفي إطار توثيقها للذاكرة التاريخية المغربية التركية المشتركة قد أصدرت ثلاثة مؤلفات كان أولها كتاب جماعي بعنوان: “الذاكرة المشتركة المغربية التركية”، وثانيها هو الإصدار الجامع لأشغال وفعاليات الندوة العلمية التي التأمت حول موضوع “المغرب وتركيا: 500 سنة من الذاكرة المشتركة”. وثالث الثلاثة هو أطروحة دكتوراه بعنوان: “الذاكرة التاريخية المشتركة المغربية التركية من خلال العلاقات المغربية التركية من الحسن الأول إلى الحسن الثاني (1873ـ 1999م ـ):  دراسة وتوثيق”.

وإجمالا، فقد أكد التطور التاريخي لمسارات العلاقات بين الدولة المغربية والدولة العثمانية/ التركية بعد معركة وادي اللبن، انتقال تلك العلاقات من التوتر والصراع السياسي والعسكري إلى التضامن والتعاون، ثم السعي إلى التحالف.

لذلك، يمكن القول إن استحضار معركة وادي اللبن، على أهميته وقيمته بين الأحداث التاريخية لبلادنا بأمجادها وروائعها يخلص بنا القول بضرورة الاستثمار في مواردنا التاريخية لبناء ذاكرة تاريخية مشتركة مغربية تركية قوامها الاستثمار في مضمونها الإيجابي والتواق للتقارب والتفاهم و التعاون.

                      شكرا على حسن إصغائكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 7239

جميع الحقوق محفوظة لموقع تاونات.نت - استضافة مارومانيا

الصعود لأعلى