
كريم بجو-فاس:”تاونات نت”//- في ظل التفاعل الواسع الذي خلفه مقطع فيديو متداول على مواقع التواصل الاجتماعي، يوثق لواقعة اعتداء باستعمال عصا خشبية استخرجها أحد الاشخاص من داخل سيارته بمدينة القنيطرة، عاد النقاش العمومي ليطرح بإلحاح حدود ما هو مباح وما هو مجرم في ما يتعلق بحمل مثل هذه الأدوات داخل المركبات، ومدى انطباق النصوص القانونية على هذه السلوكيات التي تبدو في ظاهرها عادية، لكنها قد تحمل في طياتها مؤشرات تهديد للأمن العام.
هذا الجدل المتصاعد يجد صداه في قراءة قانونية دقيقة قدمها إبن إقليم تاونات الأستاذ كمال اشنيول، محام بهيئة المحامين بفاس، الذي أكد أن مقاربة هذه النازلة تقتضي التمييز بين وضعيتين أساسيتين، تختلفان من حيث التكييف القانوني والأثار المترتبة عنهما، وذلك انسجاما مع فلسفة القانون الجنائي المغربي التي تربط بين الفعل وظروفه ونتائجه.
في هذا الإطار، أوضح اشنيول أن “الحالة الأولى تتعلق بمجرد حمل العصا الخشبية داخل السيارة دون استعمالها، باعتبار هذه الأخيرة وضعية لا يمكن التعامل معها بمنطق التبسيط، حيث أن المشرع المغربي لم يحصر التجريم في الأفعال المرتبطة بالاعتداء المباشر فقط، بل وسع من نطاقه ليشمل كذلك بعض السلوكيات التي قد تشكل في حد ذاتها تهديدا للأمن العام أو لسلامة الاشخاص والممتلكات، واستدل في هذا السياق بمقتضيات الفصل 303 مكرر من القانون الجنائي، الذي ينص صراحة على معاقبة كل من ضبط في ظروف تشكل تهديدا للأمن العام، وهو يحمل أداة أو شيئا واخزا أو راضا أو قاطعا أو خانقا، ما لم يكن ذلك بسبب نشاطه المهني أو لسبب مشروع.

وانطلاقا من هذا المقتضى، شدد المتحدث على أن مفهوم الأداة كما ورد في النص القانوني يظل مفهوما واسعا، يشمل كل وسيلة يمكن أن تستعمل في الأذى، بما في ذلك العصا الخشبية، المعروفة في التداول اليومي، وهو ما يعني أن حملها داخل السيارة، في غياب مبرر مهني أو سبب مشروع، وفي سياق يوحي بإمكانية استعمالها في الإعتداء، قد يضع صاحبها تحت طائلة المساءلة الجنائية، حتى في حالة عدم استعمالها فعليا.
غير أن الأمر، وفق نفس المتحدث، يزداد تعقيدا عندما ننتقل إلى الحالة الثانية، التي تتعلق بحمل العصا الخشبية مقرونا باستعمالها، كما هو الشأن في الواقعة التي أظهرها الفيديو المتداول بالقنيطرة، حيث يتغير التكييف القانوني بشكل جوهري، لينتقل من مجرد حمل أداة إلى حمل سلاح، وفقا لما ينص عليه الفصل 303 من القانون الجنائي، هذا الفصل لا يقف عند حدود الأسلحة النارية أو المتفجرات، بل يمتد ليشمل جميع الأدوات أو الأشياء التي يمكن أن تحدث أذى، سواء كانت واخزة أو راضة أو قاطعة أو خانقة.
وفي هذا السياق،أكد الأستاذ اشنيول أن “العصا الخشبية، متى تم استعمالها في الإعتداء، تكتسب وصف السلاح بمفهوم القانون الجنائي، وهو ما يترتب عنه تشديد في المسؤولية، خاصة إذا اقترن الفعل بجرائم اخرى كالعنف أو الضرب والجرح، مما يجعل الفاعل معرضا لعقوبات قد تصل إلى الحبس والغرامة، بحسب خطورة الفعل والنتائج المترتبة عنه”.
وعلاوة على ذلك، أبرز المتحدث أن “العقوبات المنصوص عليها في مثل هذه الحالات تتراوح بين الحبس من شهر إلى سنة، وغرامة مالية تتراوح بين 1200 و5000 درهم، أو إحدى هاتين العقوبتين، وذلك في الحالات التي يثبت فيها أن حمل هذه الأداة تم في ظروف من شأنها المساس بالأمن العام أو سلامة الأشخاص، ودون توفر مبرر مشروع”.

ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة في ظل تنامي بعض السلوكيات المرتبطة بحمل أدوات بدائية داخل السيارات بدعوى الحماية الذاتية، وهو ما يطرح إشكالا حقيقيا بين ما يعتبره البعض حقا في الدفاع عن النفس، وبين ما يقرره القانون من قيود تروم حماية النظام العام ومنع كل ما من شأنه تهديد أمن المجتمع.
وفي هذا الصدد، شدد اشنيول على أن “القانون لا يعتد فقط بنية الفاعل كما يتصورها، بل يقوم على تقدير موضوعي للظروف المحيطة بالفعل، وهو ما يجعل من مسألة حمل العصا الخشبية أو غيرها من الأدوات مسألة خاضعة لمعيار دقيق يوازن بين الحرية الفردية ومتطلبات الأمن العام.
وفي ضوء ذلك، يتضح أن حمل العصا الخشبية داخل السيارة لا يمكن اعتباره سلوكا محايدا في جميع الأحوال، بل يظل رهينا بالسياق الذي يتم فيه، إذ قد يتحول من مجرد تصرف عادي إلى فعل مجرم يعاقب عليه القانون، سواء بسبب ظروف الحمل أو نتيجة استعماله في الإعتداء، وهو ما يفرض تعزيزا للوعي القانوني لدى المواطنين، خاصة في ظل سرعة انتشار مثل هذه الوقائع عبر الفضاء الرقمي وما تثيره من ردود فعل متباينة داخل المجتمع.




