قرية بني وليد بتاونات:عمق تاريخي مقاوم وعزلة تنموية متواصلة

taounate2 أبريل 2026
قرية بني وليد بتاونات:عمق تاريخي مقاوم وعزلة تنموية متواصلة

محمد السباعي* –فاس:”تاونات نت”//- تُعدّ جماعة بني وليد، التابعة لإقليم تاونات، من المجالات القروية التي تختزن رصيدًا تاريخيًا وطنيًا بالغ الأهمية، جعل منها فضاءً فاعلًا خلال مرحلة المقاومة المسلحة وملحمة الاستقلال واستكمال الوحدة الترابية. غير أنّ هذا العمق التاريخي المشرّف يقابله اليوم واقع تنموي هشّ، تطبعه العزلة، وضعف البنيات الأساسية، واستمرار الإقصاء من عدد من البرامج العمومية ذات الأثر البنيوي.

وقد وثّق الباحث عاهد ازحيمي في دراسته الموسومة »أبرز المحطات التاريخية التي عرفتها قبيلة بني وليد خلال الفترة الاستعمارية، خاصة ما بين 1912 و1926، حيث ساهمت ساكنة المنطقة بفعالية في المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، وقدّمت تضحيات جسيمة دفاعًا عن الأرض والكرامة الوطنية، في سياق إقليمي اتسم بزخم نضالي قوي بمنطقة ورغة ومرنيسة.”

ومن بين أبرز اللحظات المفصلية التي شكّلت علامة فارقة في تاريخ المنطقة، الزيارة التاريخية التي قام بها السلطان إلى بني وليد بتاريخ 4 ماي 1940. فقد حملت هذه الزيارة دلالات سياسية ورمزية عميقة، عبّرت عن متانة العلاقة بين العرش والشعب، وعن الاعتراف بدور الساكنة في مقاومة الاستعمار، وتعزيز روح الصمود في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب الحديث.

وقد استقبل السلطان ساكنة بني وليد في فضاء لا يزال حاضرًا في الذاكرة الجماعية للمنطقة، والمعروف محليًا باسم «الكَعْدٓة دْالسلطان». ويُعدّ هذا الموقع شاهدًا ماديًا على لحظة تاريخية جامعة، غير أنه يعاني اليوم من الإهمال، ما يستدعي ترميمه وردّ الاعتبار له باعتباره فضاءً للذاكرة الوطنية والمقاومة. إن صيانة هذا المعلم لا تندرج فقط في إطار الحفاظ على التراث، بل تمثل فعل عدالة تاريخية ورمزية، وفرصة لإحياء الذاكرة الجماعية ونقلها للأجيال الصاعدة، وإدماج الموقع ضمن مسارات الذاكرة والتنمية الثقافية بالإقليم.

العزلة التنموية ومفارقة الإقصاء

رغم هذا الرصيد التاريخي، تعيش بني وليد اليوم عزلة جغرافية خانقة، تفاقمت منذ انهيار القنطرة التي كانت تربطها بمحور فناسة باب الحيط – مرنيسة عبر واد ورغة. هذه القنطرة، التي شُيّدت خلال الحقبة الاستعمارية، شكّلت لعقود شريانًا حيويًا للتنقل، والتبادل الاقتصادي، والولوج إلى الخدمات الأساسية. إن غيابها إلى اليوم أسهم في تعميق الهشاشة الاجتماعية، وعرقلة التنمية المحلية، وتكريس الإحساس بالتهميش والعزلة.

وتزداد هذه الوضعية تعقيدًا بفعل الاستثناء المتكرر لبني وليد من برنامج التحفيظ العقاري الجماعي، رغم ما يمثله هذا الورش من رافعة مركزية لتحقيق الأمن العقاري، وتشجيع الاستثمار الفلاحي، وتثمين الأراضي، وضمان الاستقرار الاجتماعي. إن هذا الإقصاء يحدّ من إدماج المنطقة في الدينامية التنموية الوطنية، ويطرح تساؤلات حقيقية حول معايير العدالة المجالية وتكافؤ الفرص بين المجالات القروية.

من استحضار الذاكرة إلى إنصاف الحاضر

إن استحضار تاريخ بني وليد، كما وثّقته الدراسات الأكاديمية، لا ينبغي أن يظل حبيس الذاكرة، بل يجب أن يشكّل منطلقًا لسياسات عمومية منصفة، قوامها:

• إعادة بناء قنطرة حديثة على واد ورغة لربط بني وليد بمحور فناسة باب الحيط – مرنيسة؛

• إدراج المنطقة دون تأخير ضمن برامج التحفيظ العقاري الجماعي؛

• ترميم وتأهيل «الكعدة دالسلطان» مع تثمينها ثقافيًا وتربويًا، وإحياء الذكرى التاريخية لزيارة السلطان محمد الخامس في إطار أنشطة علمية وثقافية منتظمة؛

• اعتماد مقاربة تنموية مندمجة تراعي خصوصيات المجال وإمكاناته الفلاحية والبشرية.

فبني وليد، التي كانت بالأمس فضاءً للمقاومة والصمود، تستحق اليوم أن تكون مجالًا للإنصاف التنموي وردّ الاعتبار، وفاءً لتاريخها وتضحيات ساكنتها، وتجسيدًا فعليًا لمبادئ العدالة المجالية والتنمية المتوازنة.

  • ذ. محمد السباعي: ابن جماعة بني وليد-تاونات/ خبير في مجال حقوق الإنسان-فاس
اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

الاخبار العاجلة