المصطفى المريزق°:”تاونات نت”/ بفضل نضج المجتمع المدني ويقظة الحركات الاجتماعية، وفي سياق الوقوف على الإكراهات الداخلية والخارجية وفهم تبعاتها وأثرها على استكمال البناء الديمقراطي، على الرغم مما يمكن استحضاره كمعطيات عيانية من قبيل تبني الدولة للعديد من أوراش الإصلاح المهيكلة والمندمجة، والتخلي التدريجي للسلطة المركزية عن بعض اختصاصاتها لفائدة الجهات والجماعات الترابية، فإنه موازاة مع ذلك يلاحظ أنهناك استعداد لدى العديد من الفرقاء والفاعلين غير الدولتيين للقيام بالتغيرات الضرورية واللازمة، من أجل جبر الضرر الجماعي، ورد الاعتبار للمناطق التي لازالت تعاني من الخصاص التنموي منذ الاستقلال، رغم دفاعها المستميت عن المؤسسات والوحدة الترابية ودولة الحق والقانون.
لكن الإرث السلبي الاقتصادي والاجتماعي كان ولا يزال ثقيلا، وآثاره الاجتماعية وخيمة، فسواء اعتمدنا كمؤشر للتقييم، التعليم أو الصحة أو التغذية أو البنية التحتية أو الناتج الداخلي الخام لكل فرد، فإننا نجد العديد من أقاليم المملكة تحتل مراتب متأخرة جدا وراء أقاليم مغربية أخرى، وهو ما يحز في نفس فئات وشرائح واسعة من المجتمع، والتي تطالب اليوم بالمساواة والتساوي والحق في الإنصاف المجالي والعدالة في توزيع الثروة الوطنية.
وهكذا، فإن أغلب سكان هذه الأقاليم يعيشون تحت عتبة الفقر، والباقي يوجدون في وضع هش، يعتمدون أساسا على زراعة معيشية ذات مردودية ضعيفة. و كما تشير إلى ذلك بعض الإحصائيات، فإن ثلثي سكان المناطق الجبلة مثلا لا يتوفرون على الماء الصالح للشرب، وحتى من يتوفرون عليه، فإنهم يعانون من نذرته وسوء تدبيره. كما لا يستفيدون من أي علاج طبي ومن أي تغطية صحية، من دون أن ننسى معانات النساء، فهن أيضا يعيشون وضعا مقلقا للغاية، فيما يخص الوفيات عند الولادة أو العنف أو الأمية، وكذلك الشباب العاطل عن الشغل، وتلاميذ المدارس المعزولة والنائية، والطفولة المحرومة من ملاعب القرب ومن المناطق الخضراء و حدائق وأماكن اللعب والترفيه.
وتأتي مبادرة “حركة قادمون وقادرون” في إطار محاولة تجميع النشطاء المدنيين، والباحثين، والغيورين على أقاليمهم، من زاوية نظر حقوقية واجتماعية وإنسانية، تقديرا لمكانة هذه المناطق الخاصة في تاريخ المغرب وشمال إفريقيا، ونصرة لما تعرضت له من تهميش وإقصاء وهشاشة ومن انتهاكات لحقوق الإنسان، استعدادا للترافع على مطالب وانتظارات الساكنة من الدولة و السلطة معا.
وتندرج هذه المبادرة أيضا في مسار المسائلة المتواترة عن مآل الثروة الوطنية في تساوق مع ما سبق لعاهل المملكة أن شدد عليه بمناسبة الذكرى 15 عشر لعيد العرش سنة 2014، والتي تساءل فيها الملك محمد السادس، عن الثروة الوطنية، وعن طرق توزيعها…
ولاشك أن المسافة الزمنية الوجيزة الفاصلة عن الخطاب الملكي قد انعكست إلى هذا الحد أو ذاك على ما أثمرته ديناميات المجتمع المدني من حراك اجتماعي وآراء وتقييمات، جعلت من موضوع الثروة الوطنية، وما أنتجته من مواقف مختلفة، موضوع ذو صلة بالتوجه العام للتساؤلات المجتمعية والإنتظارات الشعبية التي لازالت عالقة.
إن لقضية جبر الضرر الجماعي، و الحفاظ على الذاكرة، و مآل التراث المادي و اللامادي لهذه المناطق، مكانة مركزية في التزام حركتنا بحماية هذه الحقوق والنهوض بها، بما يعزز الشعور بأن هناك تقدم حاصل خلال هذه المدة الأخيرة. وهذا ما يطرح على الحركة وضع إستراتيجية واضحة المعالم لبلورة برنامج عمل و جدولة اللقاءات مع كافة المؤسسات الإقليمية والجهوية والوطنية، لشرح أهداف الحركة والتفاوض على مطالبها وتوقيع شراكات مع منظمات وطنية ودولية تتقاسم نفس المرجعية وتلتقي على تحقيق نفس الأهداف.

ومن بين الأهداف العامة التي يتوخاها مشروعنا على المدى البعيد أو على المديين المتوسط والقريب، نذكر:
-
ضمان العدالة المجالية والاجتماعية، بما تضمنه من مساواة وحقوق الإنسان و توزيع عادل للثروات، وعيا منا بأن التوزيع الغير العادل للخيرات يؤدي إلى توزيع غير عادل للسلطة؛
-
ضمان التنمية الاقتصادية القائمة على سياسات حكومية مستدامة، وعلى النمو المتكافئ بين المناطق والجهات، والهادفة إلى تحسين أوضاع المنطقة المهمشة اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا و بيئيا؛
-
ضمان الديمقراطية التشاورية بما يحقق لساكنة هذه الإقليم مواطنتهم، ويضمن دورهم في اتخاذ كل القرارات التي تعني تدبير و تسيير مجالهم الجغرافي والإداري؛
-
ضمان تنمية اجتماعية وثقافية ورياضية، لكل شباب هذه المناطق، وصيانة الموروث التاريخي الهوياتي والثقافي والاهتمام به، وحفظه وتطويره، والعناية اللازمة بقطاع التعليم، و توفير التغطية الصحية للسكان، والسكن اللائق للأسر الفقيرة و المحرومة، و توفير الشغل للعاطلين، والاعتناء بكل الطاقات المعطلة وتشجيعها على الخلق والابتكار والإبداع والتعاون.




