
الرباط:جريدة”تاونات نت”/هذه دراسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان:
السياق، الأهداف والمنهجية
إن اعتبار احترام حقوق الإنسان إطار عمل ضروري لإنجاح أي سياسية تنموية، هو مبدأ متوافق حوله بشكل واسع منذ إعلان الأهداف الإنمائية للألفية الذي اعتمدته الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة في شتنبر 2000. ذلك أن الفقرة الخامسة من هذا الإعلان تحمل عنوان “حقوق الإنسان، الديمقراطية والحكم الرشيد”، بينما تعزز فقرته الثالثة الإعلان حول “الحق في التنمية” المصادق عليه في 4 دجنبر 1986.
لقد أسهمت الروابط الوثيقة القائمة بين التنمية البشرية وحقوق الإنسان، في تيسير إقامة شراكة بين المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان وبرنامج الأمم المتحدة. للتنمية، إذ يولي المجلس اهتماما خاصا للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، بحيث جعل منها محور توجهه الجديد. أما برنامج الأمم المتحدة للتنمية فيركز على أهمية الروابط القائمة بين الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأهداف الإنمائية للألفية، التي يضطلع بتتبعها وإنجازها.
إن المرجعيات التي ينطلق منها الطرفان، تنطوي على مبادئ أفقية بينها ترابط وثيق، فإذا كانت الأهداف الإنمائية للألفية تنص على النهوض بالتنمية وتهتم بمقاربة النوع، فإن العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ينص على الحق في العيش الكريم وعدم التعرض للتمييز. وقد تعزز هذا الترابط بين المنظورين، بالنظر لتشديد العهد على التزام- على الأقل على المستوى الأخلاقي- الدول الموقعة بإعمال الحقوق الواردة في العهد من جهة، وكذا بالنظر لما تمثله الأهداف الإنمائية للألفية من خارطة طريق لتحقيق مكاسب ملموسة، من جهة أخرى.
على مستوى الواقع، تعرف الساحة العمومية بالمغرب تنامي مستوى المطالب ذات الطبيعة السوسيو اجتماعية (الشغل، الصحة، الخدمات الأساسية، التربية إلخ) والثقافية (خاصة الحقوق اللغوية) وذلك راجع لجهود التعبئة التي يقوم بها المجتمع المدني، وهي جهود لايفتئ معها هذا النوع من المطالب يتسع ويبشر بمستقبل يمكن أن يشكل فيه الحق في التنمية، بمفهومه الواسع، التحدي الأساسي للنقاش العمومي بالمغرب.
وبموازاة مع ذلك، لم يعد ثمة تعتيم عن الفقر والإقصاء اللذين يطالا جزءا من الساكنة المغربية. بل إن استراتيجية للمحاربة التدريجية للظاهرتين أضحت معالمها تتشكل، يترجمها المجهود الواضح المبذول على مستوى النسبة المخصصة للقطاعات الاجتماعية في الميزانية (53 في المائة سنة 2009 مقابل 39 في المائة سنة 1993)، وإحداث وكالات التنمية وإطلاق العديد من البرامج (البرنامج الاجتماعي الاستعجالي، المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، برنامج دعم الحكامة..إلخ). في هذا السياق، وانطلاقا من هذه المعطيات، عمل المجلس الاستشاري لحقوق، بشراكة مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية، على إطلاق دراسة حول موضوع الحق في التنمية. وتركز هذه الدراسة، التي لا تشمل جميع الحقوق الواردة في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية أوالأهداف الإنمائية للألفية، على أربعة حقوق ترتبط بأربع قطاعات تعتبر ذات أولوية بالنظر لواقع التنمية البشرية بالمغرب، ألا وهي: الشغل، التربية، الصحة والسكن. وهي حقوق تتميز باستمرار وارتفاع المطالبة بإعمالها، وطابعها الحاسم بالنسبة للاستقرار الاجتماعي، وكذا بكونها أضحت تحظى بالأولوية عند وضع الميزانية.
الهدف:
تهدف الدراسة أساسا إلى النهوض بإدماج حقوق الإنسان في مسار اتخاذ القرار المتصل بالشأن العام، وبترابط مع ذلك، إدماجها في السياسات والبرامج العمومية المتعلقة بالتنمية البشرية. ذلك أن احترام حقوق الإنسان والتنمية يشكلا كلا لايتجزء، وتنسحب ترابطاتهما على كل المجالات: السوسيو اقتصادية، السياسية، الثقافية.
أما الهدف الثاني فيتمثل في إطلاق نقاش وطني حول إمكانيات تطوير منهجيات وآليات لتتبع التقدم، الركود أو التراجعات المحتملة في مجال احترام حقوق الإنسان بالمغرب على غرار المعمول به في مجال التنمية البشرية. وذلك بغية التمكن من قياس أثر السياسات العمومية على التنمية الاجتماعية، ليس فقط عبر مؤشرات التنمية ولكن أيضا بالنظر لمرجعية حقوق الإنسان.
المنهجية:
تستند المنهجية التي تتبناها الدراسة على تحليل المعطيات، والوثائق المتوفرة واللقاءت المجراة مع أشخاص يشكلون مصادر مهمة للمعلومة. واستند التحليل على شبكة معايير للتحليل ترصد التقاطعات بين الأهداف الإنمائية للألفية والحقوق الواردة في العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في علاقة مع القطاعات الأربعة المعنية. انكبت الدراسة، في مرحلة أولى، على وضع تشخيص، لكل قطاع من القطاعات الأربعة. وعلمت في ما بعد على دراسة السياسات العمومية القطاعية في ما يتصل بتوفر الخدمات، الولوج إليها، ملاءمتها، مقبوليتها من لدن المواطن، مع التركيز على المكتسبات، الصعوبات، النقائص وإيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر هشاشة.
قطاع التعليم والحق في التربية
الولوج للتعليم
ثلث الأطفال الممدرسين في السنة الأولى من التعليم الابتدائي، لم يسبق أن استفادوا من التعليم التمهيدي، ومن مجموع أولائك الذي استفادوا من التعليم التمهيدي ولج الثلث روض للأطفال بينما تمدرس الباقي في الكتاتيب.
إن النموذج الحالي للتعليم الابتدائي لا يلائم طبيعة الأطفال الذين يعانون من إعاقة ذهنية أو بدنية وكذلك أطفال الرحل أو القاطنين في المناطق الجبلية والمعزولة. إذ يقضي الطفل وقتا طويلا في دراسة برامج غير مركزة، لا تمكنه من تطوير مهارات متعددة ونافعة. لذلك فإن وضع مناهج مدرسية تتميز بالتنوع وتتوفر على برامج مركزة على المهارات الأساسية سيمكن بدون شك من الحصول على نتائج أفضل. الحكامة إن تعزيز اختصاصات الأكاديميات والمؤسسات التعليمية وتحميلها المسؤولية سيمكن من: — ضمان صرامة تنفيذ النصوص التشريعية والتنظيمية المتعلقة بإجبارية التعليم، والجوانب البيداغوجية، وضمان الشفافية في إدارة الموارد، ومكافحة الهدر المدرس وبعض المظاهر السلبية الأخرى ذات البعد المحلي؛ — ضمان أفضل تنسيق بين القطاعات والمعنية ومع الفاعلين المحليين؛ — خلق دينامية جديدة قادرة على ابتكار حلول للإشكاليات المرتبطة بالولوج للبنيات التحتية والتجهيزات والخدمات التعليمية وملاءمتها ومقبوليتها من جهة، وعلى ملائمة التكوين مع المتطلبات السوسيو اقتصادية المحلية من جهة أخرى.
السياق القانوني
إن توجيه نظرة نقدية لقطاع التعليم يكشف عن جملة من الملاحظات:
— عدم تطبيق أحكام النصوص القانونية والتنظيمية بالدقة المطلوبة؛ – ظهور بعض المشاكل المتكررة والتي ترجع إلى غياب إطار قانوني وتنظيمي يتطرق إلى مجموعة من الجوانب كالتسيير المالي، ومكافحة الأمية والتعليم غير النظامي، وتنظيم الإضرابات و أخلاقيات مهنة التدريس، والعنف في الوسط المدرسي وتقديم الدعم النفسي للطلاب من قبل مدرسين غير مؤهلين. وتجدر الإشارة هنا إلى أن بعض جوانب التدبير المالي لازالت خاضعة إلى قرارات وزارية تعود إلى عهد الحماية.
التتبع والتقييم
كان ينبغي أن يقترن تعزيز اختصاصات واستقلالية الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين بوضع نظام للتقييم دوري لأداء المؤسسات التعليمية، والهياكل الإدارية اللامركزية واللامتمركزة. إن غياب هذا النظام، يعيق تحقيق النتائج المتوخاة وتشجيع الممارسات الفضلى المرتكزة على النتائج، كما أن هذا الغياب بؤخر وضع أنظمة لضبط ومراقبة تحقيق النتائج في علاقة مع الاعتمادات المالية المخصصة لها.
قطاع الشغل والحق في العمل
توفير فرص الشغل
• عموما، يلاحظ استمرار الفوارق في الولوج للشغل والدخل بين الوسطين الحضري والقروي وإزاء الفئات الخاصة. ذلك أن نمو النشاط الاقتصادي لا يرافقه توزيع عادل للدخل بين المجال القروي والحضري، بين الجهات، و بين مختلف الطبقات والفئات الاجتماعية.
• سجل بين عامي 1990 و 2007، تراجع في نسبة الفقر الشديد (دولار واحد في اليوم)، في حين استقرت نسبة الفقر (دولارين في اليوم) في حوالي 15. كما أن جهود تقليص نسب الفقر في المناطق القروية تسير بشكل أبطأ، ولاسيما في ثلاث جهات، خاصة الأقاليم المشمولة ببرنامج الأولويات الاجتماعية (BAJ).
• يؤثر الفقر بنسبة أكبر على النساء والأطفال، ويرجع ذلك لقلة فرص الشغل المتاحة لهذه الفئة.
• بين عامي 2000 و2007 استقرت نسبة التفاوتات في ما يتصل بالاستهلاك والولوج للدخل، بل تعمقت بشكل طفيف.
• لم تعرف التفاوتات بين الـ 20 في المائة الأكثر غنى و الـ 20 في المائة الأكثر فقرا تحسنا بين عامي 2000 و 2007. •خمس الساكنة الأكثر فقرا انتقل من 6،6 في المائة سنة 1990 إلى 6،5 سنة 2007
• حجم التفاوتات أقوى في المناطق الحضرية خاصة في ثلاث جهات.
• توفير الحد الأدنى للأجور والضمان الاجتماعي والتأطير النقابي لا زال مقصورا على العاملين في القطاع المهيكلة، وعلى أقلية جد ضئيلة داخل القطاع غير المهيكل. • نظام الشغل غير ملائم بشكل كبير للمقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولات الصغيرة بالقطاع غير المهيكل والقطاع الفلاحي، وهي القطاعات التي تضمن أكثر الفئات حاجة للحماية
• عدم تخصيص تعويضات للمعطلين، وضعف نسبة تغطية أنظمة التقاعد (القطاع الخاص والقطاع غير المهيكل) بالإضافة إلى عدم احترام قانون الشغل، ولاسيما في القطاع غير المهيكل، كلها تشكل معيقات يعاني منها القطاع. • في ما يخص الفئات الخاصة، يسجل استمرار التفاوتات وعدم المساواة في ولوج النساء لفرص الحصول على دخل مستقل، وذلك بالنظر للنسبة الضعيفة لعمل النساء، وانخراط أغلبهن في الأعمال المنزلية ومساعدة الأسرة دو أجر (78.7 ٪ في الوسط القروي).
• ارتفاع نسبة النساء اللواتي يستفدن من التعليم لا يرفع من حظوظها في الحصول على فرصة شغل. • انخفضت نسبة تشغيل الأطفال لكنها تظل مرتفعة في المناطق القروية
• الأطفال المشغلون هم الفئة الأكثر عرضة للتمييز في الأجور. لاسيما بالنسبة للفتيات خادمات البيوت.
• مازال التمييز ضد الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة في ما يخص الحصول على فرص الشغل والضمان الاجتماعي ظاهرة قائمة. تجدر الإشارة إلى أن نسبة المسنين المستفيدين من التقاعد تبقى ضعيفة.
الحكامة
• ما زالت العديد من الإكراهات تعيق جهود تقليص الفقر . ومن هذه الإكراهات ثمة ضعف دينامية خلق فرص الشغل، أضف إلى ذلك هشاشة النمو الاقتصادي، محدودية السياسات، وعدم المساواة في الدخل.
• تحليل سياسة الأجور يبين بعض أوجه القصور وتراجع في المكتسبات الاجتماعية.
•يفترض في مبدأ المرونة في الأجور، الذي يوجد في عكق السياسة التي تتبناها الدولة في مجال الأجور، أن يشجع على خلق فرص الشغل والنمو الاقتصادي. إلا أن هذا المبدأ يناهض الحق في العمل والتنمية البشرية وحتى النمو في حد ذاته. إن للمستوى الضعيف للنمو روابط مع ضعف الطلب الذي يعد أيضا نتيجة لضعف الأجور. ذلك أن نموذج التنمية المرتبطة بالأسواق الخارجية لايمكن من خلق فرص للشغل مستدامة.
• نفس مظاهر العجز تعانيه منها فروع الوكالات الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات. فتحرير سوق الشغل لا يساهم بالضرورة في ضمان تسيير سليم وفعال وشفاف لسوق العمل. • في نفس الاتجاه، تثير الدراسة العجز الذي يسجله تدبير صناديق التقاعد، خاصة الصعوبات المالية وضعف القوانين تشجع عدم التصريح بالأجراء من لدن المقاولات
• لا يزال العجز في مجال السلامة والصحة في أماكن العمل قائما بالرغم من التقدم الذي تم تحقيقه في مجال التنظيم الذي يختلف من قطاع إلى آخر ومن مدينة إلى أخرى.
• تم تسجل أكبر معدل للحوادث في مدن فاس ومراكش والدار البيضاء خاصة في قطاع النسيج والبناء.
ويرجع هذا الوضع إلى عدم توفير التكوين بصفة كافية لمفتشي الشغل والموارد البشرية والمادية ونقص التحسيس الموجه لمختلف الفاعلين.
• وأخيرا يمكن القول بان قضايا الحكامة تواجه مشاكل على مستوى التنسيق بين مختلف الجهات الفاعلة والمؤسسات، سواء في ما يخص وضع السياسات أو تنفيذها أو تتبعها.
السياق القانوني
بالرغم من تحسن ظروف العمل والتطور الذي عرفته القوانين إلا أن العجز لا يزال قائما.
وبصفة عامة، فان القوانين الوطنية الخاصة بالشغل تطبق فقط على موظفي القطاع العام والعاملين بالمقاولات والشركات الكبرى بينما تبقى المقاولات الصغرى في القطاع غير المهيكل خارجة عن التنظيم، سواء بسبب نقص الموارد أو لعدم ملائمة القوانين الموجود وكذا وجود نوع من غض الطرف عن القطاع غير المهيكل الذي يخلق فرص الشغل رغم طابعه الهش.
تجدر الإشارة هنا إلى انخفاض نسبة الأجراء المسجلين في صندوق الضمان الاجتماعي في القطاع المنظم. كما أن نسبة 7 ٪ من الوظائف المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة لا يتم احترامها في الوظيفة العمومية. بالإضافة إلى عدم احترام القوانين التي تحظر تشغيل الأطفال دون سن 15 سنة واستغلالهم في أعمال خطرة.
وفي نفس السياق، يلاحظ غياب القوانين التطبيقية المتعلقة بحرية العمل النقابي والحق في الإضراب، وضعف إنفاذ القوانين التنظيمية المتعلقة بالنظافة والصحة وخاصة في القطاع الغير المهيكل.
وأخيرا تجدر الإشارة إلى ضرورة خلق توازن بين انشغالين أساسيين هما: ما تقتضيه مستلزمات التنافسية التي تدفع الشركات إلى إحداث تغييرات مستمرة من جهة، وضرورة تأمين وحماية حقوق الأجراء. لكن يبقى تحقيق هذا التوازن صعبا خصوصا في ضوء الإكراهات التي تحد من الحقوق النقابية، أهمها عدم التصديق على الاتفاقية رقم 87 الخاصة بالحرية النقابية.





