الثقافة والحضارة والدولة- الوطنية ..حالة إقليم تاونات

الدكتور بوزيد العزوزي*-تاونات :”تاونات نت”/– ظهر مؤخرا هنا وهناك ، في عدة محافل على المستوى الوطني ، نقاش حول ماهية الثقافة وعلاقاتها بفضاءات متعدة فكرية وديبلوماسية واقتصادية ومالية وغيرها .

وقد حضرت بعض المنتديات التي أدلت بدلوها في هذا الموضوع ، وطلب مني في حينه المساهمة ، قدر الإمكان ، في هذا الموضوع ذو البعد الإستراتيجي الحيوي ، وكيف أرى مفهوم الثقافة ومنظوري حول تنمية وتعزيز الثقافة وميادينها ، من زاوية تخصصاتي في التدبير والتسير في أبعاده المالية والإقتصادية والقانونية والإجتماعية والتسويق .

التوطئة

كمدخل أود التأكيد على الأهمية العالية جدا للثقافة في حماية الوطن ضد كل أشكال وأنواع الشهوات الجامحة لبعض الأنظمة السياسية المتشبعة بروح الهيمنة ورغبة التوسع والسطو على أراضي الغير وخيراته ، فالثقافة درع متين قوي في حماية الوطن ومؤسساته وتاريخه وأمجاده .

كل توجه يزيغ عن هذا النهج فإنما يسعى إلى إضعاف الدولة عبر إحباط النفوذ المجتمعي الذي يسكن أعماق هياكلها ومؤسساتها الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والأكاديمية .

فحين تكون الشعوب موحدة ومنسجمة على أسس ثقافية متينة مبنية على أبعاد تاريخية مجيدة  وحضارية كثيفة فإن صفوفها تكون متراصة وكلمتها متطابقة مع الأبعاد السياسية لهياكلها بكل مكوناتها الإجتماعية والإقتصادية فيستحيل على كل عدو أن يحاول النفاذ إلى أعماق المواطن المتشبع بروحه الوطنية المشيدة على الأسس الثقافية المنبجسة من أعماق جذور الحضارة العاكسة لهويته وكرامته وأنافته وشخصيته الفذة

سأحاول في هذا المقال الموجز تقديم في الباب الأول بعض المعطيات التعريفية لمفهوم الثقافة ومصطلح الحضارة يليه في الباب الثاني  اقتراحي لحالة بعينها لتبيان مؤثرات التقافة على التنمية المندمجة محليا في تفاعلها مع النمو الوطني بكل أبعاده البشرية والإقتصادية في جدلية مسترسلة بين الثقافة والنمو .

ا. الباب الأول :  الثقافة وتعزيز الحضارة

لقد كنت داءما خلال مناسبات عديدة أحاول تقديم تعريف “مفهوم الثقافة” بتقريبه من “مصطلح  الحضارة”  وجدليتهما بمجموعة من المحاور من بينها وأهمها ثلاثة أقطاب متداخلة بكثافة  : 

ا. ” التنمية المندمجة” بكل أبعادها الفكرية والإجتماعية والإقتصادية والمالية الخ ،

ب. ” تدبير الشأن العام” محليا وجهويا ووطنيا ،

ج. دائرة إشعاع علاقاتنا الدولية .

أرى أن الثقافة “بعد من الأبعاد المكونة للحضارة بمفهومها المركب والواسع الفسيح” .

من هاته الزاوية أقترح تعريف مفهوم الثقافة كما يلي :

هي حصيلة كل ما يمكن أن ندرجه في قدرة إبداع المجتمع وخلقه وبلورته خلال حقبة زمنية معينة داخل فضاء جغرافي محدد ؛ فالثقافة منتوج للتراكمات الفكرية والمعاملاتية والشفاهية والكتابية واللغوية المحلية والجهوية التي تساهم في تعزيز الثقافة الوطنية والتي تكون خرسنة تقوية اللحمة الوطنية المؤسسة للدولة-الأمة أو الدولة-الوطنية أو الدولة-القومية État-Nation .

فهي تراكمات وضعية ذاتية وموضوعية لكل إنتاج الهيئات البشرية المتفاعلة داخل جغرافيتها مكانا وعبر تاريخها زمانا“.

وبالتالي فحصيلة هذا النهج الفكري هي أن الحضارة مجمع – بضم م – وتكدس- بفتح ت –  للثقافات خلال مسلسل زمني طويل تنصهر من بين ثناياه ، على الأمد البعيد ، ثقافات الشعوب والأمم وتتداخل وتتلاقح مع الأديان والفلسفات التي تنبجس من أعماق المجتمعات الأخرى شعوبا ومواطنين ومفكرين التي تفرز ما يمكن أن نعرفه بالحضارة .”

انطلاقا من هذا التعريف المحدد من هاته الزاوية ، أؤكد أن المغرب استطاع عبر 14 قرنا :

-1. أن يبني الدولة الوطنية État-Nation التي في أحشائها تبلورت الثقافات الوطنية المعززة لهذا الهرم الكبير ، 

-2. أن يغني الحضارة العربية-الإسلامية بثقافته المتكاملة والمتجانسة بكل القيم المضافة المنتجة من طرف مجتمعنا ،

-3. أن يساهم في إغناء وبلورة الحضارة الكونية CIVILISATION UNIVERSELLE بتقاطعاتها مع ثقافات دول العالم العربي والإسلامي الجامعة والمكونة للحضارة العربية-الإسلامية CIVILISATION ARABO-MUSULMANE من جهة والحضارات الشرقية العتيقة والإغريقية واللاتينية والرومانية والأنغلوساكسونية والغربية الوضعية من جهة أخرى ،

-4. أن يستغني (طلب الغناء بفتح غ ، وليس الإستغناء)  باقتباس كل القيم المضافة الإيجابية ذات البعد الحضاري المتقاطرة عليه من كل الحضارات الموازية المتفاعلة معها  وبينها .

هاته الثقافات العابرة لهاته الجغرافيا ساهمت بمجموعها في تكوين المكون المندمج لهاته الحضارة الشاملة من الحضارة العربية-الإسلامية بكل تنوعاتها واختلافاتها التي قدمت مساهمة وازنة وثقيلة وقوية في بلورة حضارة أوسع وأشمل إسمها الحضارة الإنسانية CIVILISATION HUMAINE التي تسعى جاهدة لبناء ذاتها بتجاوز سلبياتها العديدة من حروب وكراهية وذاتية مقيتة وغيرها وتجميع إيجابيتها المتعدة من محبة وتسامح وتعاون وتضامن

من هذا المنظور ، أرى أن وطننا المغرب بنفس قوي يتابع بناء هذا الهرم : ” الدولة-الوطنية” عبر متابعة إتمام بناء الهياكل الثقافية المحلية والجهوية ، المعبرة عن هويته وخصوصيته ، وذلك بفتح الكليات والجامعات والمراكز الثقافية وتنظيم المهرجانات العاكسة للتاريخ المجيد الوطني والمحافظة على الأعراف والتقاليد وإنتاج المواد الإعلامية المعززة لهذا التراث الغني بكل أبعاده الإسلامية والعربية والأمازيغية والصحراوية واليهودية وكل الحساسيات المؤثرة من موسيقى ورقص وقصص وحكايات وتمثيل ونقش وزخرفة وألبسة ومأكل الخ

تجدر الإشارة لتحديد القيمة المضافة لبلادنا من منظور جغرافي وطني أن كل منطقة وكل جهة تغني الثقافة الوطنية بكل إنتاجاتها عبر الأزمان .

ب – الباب الثاني : حالة إقليم تاونات

تاريخ تاونات يتحدث عن نفسه ويتحدث ، بإشعاعه الكبير ومساهماته الوازنة ، كل المهتمين والمتابعين من مثقفين وجامعيين ومسؤولين سياسيين وإداريين  وفنانين  وغيرهم كثير .

عدد الأساتذة الجامعيين المنتجين للفكر كبير جدا كما هو حال الفنانين بمساهماتهم القيمة بعدد كبير من الكتب والمقالات واللوحات الفنية والأغاني المنتجة من طرف الأجواق العديدة المتميزة والمرتبطة بالواقع المحلي والجهوي والمواقف الثقافية المعبرة عن تاريخ المنطقة وجغرافيتها المبلورة من طرف جمعيات نشيطة ومبدعة ووداديات محلية الخ

تاونات تعتز بعدد كبير من العلماء المنحدرين من ترابها الجبلي وفضائها الجغرافي الذي تحدث ويتحدث عنه التاريخ المعاصر في مجالات عديدة متعددة من المرافق الدينية إلى الإختراعات التكنولوجية مرورا باختصاصات في ميادين تقنية وتكنولوجية رائدة .

كما ساهم إقليم تاونات بعمله الدؤوب على إشعاع ثقافتنا الوطنية عبر عدد من الدول الغربية بأوربا وأميركا وغيرها عن طريق المواطنين المقيمين بديار المهجر منذ عشريات الخمسينات والستينات والسبعينات عبر المحافظة على تقاليدنا وأعرافنا وطقوسنا وأهازيجنا خلال المناسبات الإجتماعية والوطنية من أعراس وأعياد وطنية ودينية .

فهم خير سفارء لنا للمساهمة في إشعاع ثقافتنا وهويتنا وحضارتنا .

 من كل ما سلف ، أقترح أن تعمل وزارة الشباب والثقافة والتواصل على المساهمة في  تعزيز الثقافة بإقليم تاونات عبر سبعة – 7 – محاور :  

-1. فتح أجنحة ممثلة لوزارة الشباب والثقافة والتواصل بالموازاة مع المساهمة في حث التمثيليات للبلدان الشقيقة والصديقة على فتح بعثات ونواد لها بمركز الإقليم ومراكز الدوائر الخمس حسب التقطيع الإداري قدر الإمكان بطاهر سوق وغفساي وقرية بامحمد وتيسة ،

-2. فتح مكتبات مجهزة بحياسيب إلكترونية وتأثيثها بالكتب الكافية  الأكاديمية منها والإجتماعية والتقنية والفنية ،

-3. برمجة ندوات ومحاضرات وأفلام تنويرية ذات إشعاع ثقافي ، محلي ، جهوي ، وطني ودولي ، وخلق نقاشات ثقافية بين الشباب وتمكينهم من شحذ كفاءاتهم وتعزيز تكوينهم ،

-4. تجهيز  هاته المراكز والدوائر الثقافية بالإمكانيات اللآزمة والآليات والأدوات الكافية على مستوى الموارد البشرة والمالية بالموازاة مع التجهيزات الرقمية والتقنية كما أسلفت أعلاه بتوجيههم إلى فضاءات التكنولوجيا الرقمية والمعلوميات والإتصال والتواصل التي تؤهلهم إلى التمكن من المساهمة في إنعاش الأنشطة الإقتصادية المذرة للدخل في إطار تنمية بشرية شاملة ومستدامة يبنون بها غدا أفضل لوطنهم وينهضون بكفاءاتهم الصامتة وقدراتهم الإبداعية المختزنة وتثمين مؤهلاتهم الفائقة ،

إن عددا من  أبناء إقليم تاونات يعانون من السلوكات الخطيرة المهددة لحياتهم وبالتالي للنسيج الإجتماعي الوطني من الإدمان على المخدرات إلى استهلاك الكحول وكل أنواع إفساد صحة العقل والبدن ، 

-5. المساهمة في تشجيع الأنشطة الثقافية عبر تأطير وتمويل المهرجانات المحلية والجهوية بإقليمنا ، إقليم تاونات : مهرجان الفروسية ، مهرجان التين ، مهرجان الزيتون ، العيطة والطقطوقة الجبلية و أحيدوس ، الخ هاته الفضاءات ذات البعد الثقافي التي تعزز الشخصيه المحلية والجهوية المساهمة في تقوية الهوية الوطنية التي تغني الوحدة الوطنية في إطار تعزيز مفهوم الدولة-الوطنية كما أكدت عليه سالفا أعلاه ،

-6. الجالية المغربية بالمهجر والديبلوماسية الإجتماعية  : 

     * تنظيم مناسبة سنوية للقاء مواطنينا المقيمين بديار المهجر في إطار احتفالي ثقافي محلي وجهوي ،

     * تشجيعهم بتحويل مدخراتهم المالية عبر :

توجيههم للإستثمارات المنتجة وتمكينهم من الحصول على مزايا مالية من نسب فائدة مكيفة مع الحاجيات المالية لقطاعنا المصرفي  ومتجانسة مع مقاصد استراتيجية الإدماج الثقافي وغيرها ،

تشجيعهم على تحويل العملة الصعبة إلى الوطن والمساهمة في رؤس أموال الشركات والمقاولات في القطاعات الإقتصادية والمالية ، إذ أن هذا البعد سيجعلهم يهتمون بالإقتصاد الوطني وتنميته ،

فتح شبابيك في الأبناك والمؤسسات المالية وغيرها مخصصة لهم خلال فصل الصيف ، 

فهم سفراء بلادنا بدول المهجر ويمثلون وطننا تمثيلا يشرفنا رافعين دائما شعارنا الخالد : الله – الوطن – الملك .

فكلنا نتابع باهتمام كبير جدا ومسترسل التوجيهات السامية لصاحب الجلالة الملك سيدي محمد السادس حفظه الله وأطال في عمره وأقر عينه بولي عهده صاحب السمو الملكي مولاي الحسن أمده الله بالصحة والعافية وطول العمر من أجل الإهتمام بالشباب وتقوية ثقافة نكران الذات وثقافة التضامن والتسامح وثقلفة التعاون بين كافة شرائح المجتمع المغربي .

-7. مؤازرة “منتدى كفاءات إقليم تاونات” من أجل فتح كلية بالإقليم تابعة لجامعة سيدي محمد بن عبدالله بمدينة فاس   ، بالتنسيق مع وزارة التعليم العالي والسلطات المحلية اللاممركزة والمنتخبة والجهوية .

سيتبع فتح هاته الكلية توسيع المجال لكليات أخرى تخفف العبء عن فاس وعن  أعباء ومصارف الأسر .  

الخاتمة

إن بنيات التنشيط الثقافي والفني بمختلف الألوان والأشكال والتعبيرات ، تشكل فضاء رائعا ومشجعا وقويا يساهم في صقل المواهب واكتشاف الطاقات الإبداعية التي يختزنها الشباب  بأقليمنا ، إقليم تاونات .

تمكن هاته البنيات على أسس منهجية علمية وبيداغوجية  متمحورة على توجهات ديداكتيكية ، في إطار المقاربة التي ترمي إلى محاربة الأمية والتهميش والإقصاء خصوصا داخل الشرائح الإجتماعية المحرومة ، تمكن من التنشيط الثقافي المستمر والترفيه الملائم للوسط الإجتماعي الجبلي ذو الخصوصية الثقافية التي تغني بقوة وثقل كبير المكون الثقافي الوطني .

إذ أن هاته البنيات تساهم في :

ا. تقوية النسيج الثقافي بإقليمنا وصيانة شبابه من الآثار السلبية للتحولات الخطيرة التي تعرفها المجتمعات الكونية وخلق انعكاسات إيجابية تسعى إلى بناء مستويات فكرية وتربوية لكل الفئات الإجتماعية عن طريق تحسين ظروف ولوجهم إلى مختلف الأنشطة الثقافية .

هاته الأنشطة تكون عاكسة للحاجيات المحلية والجهوية والوطنية ، في تفاعل جدلي مستمر مع المحيط الثقافي العالمي الذي ما فتيء يتوسع بسرعة كبيرة على ضوء توسع وتشعب الشبكة العنكبوتية ومنصات التواصل الإجتماعي .

هاته الأقطاب التواصلية تمكن من إغناء الفضاء الثقافي الوطني مع :

 – وجوب اتخاذ كافة شروط الحذر من الجوانب السلبية التي قد تهدد عمق ثقافتنا الوطنية ،

وجوب الإحتماء بالدروع الواقية من الهجمات الخطيرة التي تسعى وتهدف إلى خلط الأوراق والتشويش بعمق على ثقافتنا وحضارتنا العريقة من أجل اقتلاعها وبالتالي تسهيل المرور إلى مكامن الضعف المختلقة وتقزيم الهوية الوطنية بالهدف الأبعد : محو الإنتماء الحضاري للمكون الأساسي للهوية والتاريخ والوجود .

ب. تأطير الشباب من أجل جعلهم يساهمون بفعالية قصوى في ازدهار الوطن على كل المستويات بدء بالمستوى الإجتماعي وانتهاء بالمستوى الثقافي ، مرورا بكل الأبعاد المكملة لهاته المستويات ،

ج.  حماية الشباب من عدد من الإنحرافات الإجتماعية وإبعادهم عن عدد كبير من المخاطر التي تهدد الأجيال الصاعدة وكل الشباب ،

هاته البنيات التي ستساهم في منحهم تكوينات موازية للمؤهلات التي ستمكنهم من المساهمة بشكل قوي وفعال وناجع في جميع الأنشطة الإقتصادية المنتجة  وبالتالي ستمكنهم هاته البنيات من المساهمة في تنمية المجتمع والمحافظة على بنياتهم الثقافية التي تكون الأساس المتين والصلب لمقومات وطننا الغالي .

……….

بطاقة تعريف عن  الأستاذ بوزيد عزوزي° :

أستاذ جامعي 1996 – 2016 ،

مدير مديرية المساهمات المالية والصناعية ، والسياحية 1983-1987  بالبنك الوطني للإنماء الإقتصاديي BNDE ،

مدير مديرية المقاولات المتوسطة والصغرى بالبنك الوطني للإنماء الإقتصادي PME –  1987-1994 BNDE ،

مستشار المدير العام للمكتب الوطني للمواصلات السلكية واللاسلكية ONPT – 1995-1996   ،

مدير مديرية التعاون الدولي والتمويل وتنمية القطاع الخاص بوكالة تنمية الأقاليم الشمالية 1996-1999 APDN ،

مدير المعهد العالي للتجارة وإدارة المقاولات ISCAE بالرباط  1999- 2004 .

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 5923

2014 Powered By Wordpress, By MinِCom -- Copyright © All Rights Reserved - Taounate.Net

الصعود لأعلى