الإعلامي والفنان التشكيلي محمد البوكيلي الذي كرمته “صدى تاونات” سنة 2009 في ذمة الله

إدريس الوالي-الرباط :”تاونات نت”/- بسم الله الرحمن الرحيم (يا ايتها النفس المطمئنة ارجعي الى ربك راضية مرضية فدخلي في عبادي وادخلي جنتي).

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره تلقينا ببالغ الحزن والأسى نبأ وفاة أحد أبرز الإعلاميين والفنانين التشكيليين المغاربة ويتعلق الأمر بإبن جماعة عين عائشة بإقليم تاونات الأستاذ محمد البوكيلي والذي وافته المنية يوم الأربعاء 22 مارس 2023 بجماعة سيدي الطيبي  بضواحي مدينة القنيطرة عن عمر يناهز 70 سنة.

وقد خلف هذا الخطب الجلل، حزنا شديدا في نفوس أسرة الفقيد وبخاصة زوجته وأبنائه وأفراد عائلته وأصهاره وزملاءه ومعارفه داخل الوطن وخارجه لما كان يتمتع به من طيبوبة ودماثة الأخلاق.

 يذكر  أن محمد البوكيلي العضو في “منتدى كفاءات إقليم تاونات” والذي سبق لجريدة “صدى تاونات “أن نظمت حفلا تكريميا له بمعية المدرب المغربي بادو الزاكي والصحافي قاسم الكنوني في 5 ماي 2009 بمناسبة إحتفالها بالذكرة 14 سنة من تأسيسها؛هو فنان تشكيلي ساهم في سلسلة  من المعارض الجماعية والفردية،وهو أيضا مصمم فني،اشتغل في العديد من الصحف والمجلات كمسؤول عن أقسام التصميم والإخراج الصحفي،داخل المغرب وخارجه، وهو ناشر ومدير دار البوكيلي للنشر، ومدير مجلة “مجرة” الفصلية الإبداعية،ومدير الملتقى الدولي للفنون التشكيلية.

 الفقيد  البوكيلي كرس  حياته  المهنية لخدمة الاعلام والثقافة  والفن عبر مؤسسته”دار البوكيلي” التي  تخصصت خلال عقود في طباعة ونشر الكتب والمؤلفات في شتى مجالات الفكر والثقافة والفن.

كما عرف عن الفقيد البوكيلي هو انه أول فنان تشكيلي مغربي من أنشأ معرضا فنيا دائما في العالم القروي بضواحي القنيطرة.

 كما داب الفقيد  الذي سبق له ان حصل على عدة جوائز  وشواهد وطنية وعربية ودولية ؛على  احتضان  وتنظيم عدة ندوات وانشطة ثقافية  متميزة.

إنه فنان تشكيلي ونحات وحروفي ولد بجماعة عين عائشة بإليم تاونات سنة 1950، تخرج من معهد تطوان للفنون الجميلة في سبعينيات القرن الماضي ، أسس مطبعة بمدينة القنيطرة ، ومؤسسة محمد البوكيلي إبداع وتواصل ، وصاحب الملتقى الدولي للفنون التشكيلية الذي وصل إلى الدورة15 .
شارك منذ سنة 1971 في عدة معارض جماعية للفن التشكيلي ،كما نظم معارض شخصية في عدد من المدن المغربية و في الخارج وحصل على عدة جوائز ، وتم تكريمه في عدة مناسبات إعترافا بإبداعه في الفن التشكيلي وخاصة في مجال الخط العربي .

يعتبر الفنان محمد البوكيلي من رواد الحركة ” الحروفية العربية ” التي ترتكز على الخط العربي ،إذ عرف بمساهمته في إبراز جمالية الخط العربي الذي إحتل مكانة متميزة في الحضارة والفنون الإسلامية، موظفا في ذلك التراث الديني والحضاري العربي الإسلامي .

وصف عمله الفني الراحل الإعلامي والأديب والناقد والفنان التشكيلي “أديب السلاوي” ب “التعاشق بين الحرف والتشكيل” ، حيث إعتبر الفنان محمد البوكيلي ملما ومدركا بالحرف العربي أبرز مظاهر العبقرية الفنية عند العرب، وأنه كان وما يزال وسيلة للمعرفة وللإبداع وللتشكيل.
وأعتبره مدرك في وقت مبكر خلال سيرته الإبداعية، أن الحرف العربي هو تشكيلي إبداعي في أصوله وقيمه ومقوماته وعناصره الجمالية، يجدب بصيرة المتلقي قبل بصره.

وأضاف أديب السلاوي ، أن الفنان البوكيلي وجد نفسه، بعد تخرجه من معهد تطوان “سبعينيات القرن الماضي”، يطوف بالحرف العربي، يناوشه، يشاغبه، يخاطبه من حين لآخر إلى أن وجد نفسه منساقا إلى حمولته، يخط بأصنافه الجمالية لوحات صامتة، قبل أن يتفرغ إلى الأعمال الناطقة بأسماء الله الحسنى وبآيات الرحمان.
في سلسلة لوحاته التي تحمل هذا العنوان ” الرحمان” إشتغل على أصناف الحروف العربية، من الكوفي إلى الرقعي، ومن الديواني إلى الثلث والفارس، ليعطي للرحمان صيغتها التراثية والجمالية.

ومن أجل تأكيده، على أهمية الحضور الجمالي للكلمة المقدسة في التراث الإسلامي، أنجز موسوعة حروفية نادرة المثال، من خلال رسم سورة الرحمان ، بدلالاتها اللغوية والروحية والتربوية حيث نقل الخط العربي بزخاريفه وتداويره وحركاته الموسيقية إلى فن روحي دقيق الدلالة ، ينقل العواطف الكامنة في النفس، ويفصح عنها للمتلقي بجاذبية روحية وإبداع تشكيلي.

وبعيدا عن لوحات الرحمان، سنجد أعماله الإبداعية الأخرى التي تسبح في الذات الإلهية، تؤكد أن الحرف العربي، هو فن تشكيلي في أصوله وقيمه ومقوماته وعناصره الجمالية، حيث يعطي المتلقي لوحات كتابية متعددة الألوان والمضامين الفكرية والجمالية والروحية، من ذات الحرف، ومن حمولته التشكيلية.

الفنان محمد البوكيلي في مسيرته التشكيلية، أصر على إستخدام السمة الروحية الكامنة في الحرف العربي، إذ إستطاع أن يعكس تماما حسه الفني المرهف، من مكونات الحرف العربي الصارمة في بنائها الهندسي وقدرتها على التشكيل، والتي تستطيع أن تتضمن معنى باطنيا يسمو على معناه اللغوي.

لاشك أن ما أنجزه الفنان البوكيلي خلال العقود الأربعة الماضية في المجال الحروفي، يعد إنجازا إبداعيا متميزا بكل المواصفات، من أجل حفظه وصيانته في متحف وطني ،ويوضع أمام النقاد والباحثين وطلبة الفنون التشكيلية لقراءته ودراسته ووضعه في الموضع الفكري ، الثقافي ، الإبداعي الذي يستحقه.

إن إنجازات الفنان محمد البوكيلي، التي تحتضنها “مؤسسة محمد البوكيلي إبداع وتواصل” بجماعة سيدي الطيبي ضواحي مدينة القنيطرة،والتي نقل بواسطتها تجربة معارض الفن التشكيلي إلى العالم القروي ، والتي يجب أن تخرج إلى الوجود وأن تضعها وزارة الثقافة أمام الجمهور الواسع ، لكي تستفيد من حمولتها الفنية والجمالية والروحية الأجيال التشكيلية الصاعدة بصفتها تراث أصيل .

من جهة أخرى؛وبتزامن مع انعقاد الملتقى الدولي السادس  للفنون التشكيلية، التي نظمته مؤسسة  البوكيلي سنة 2017 ،صدر كتاب جديد من الحجم الكبير،موسوم ب ” مسار الفنان التشكيلي محمد البوكيلي”، وهو كما يبدو واضحا من خلال العنوان،يرصد تجربة الرسام المذكور،مرورا بكل المحطات الفنية التي اجتازها،إلى أن تمكن من إثبات ذاته في المشهد التشكيلي بالمغرب.

محمد أديب السلاوي، الكاتب والإعلامي الناقد الفني المعروف الذي توفي في غشت 2020 ،سعى من خلال مقدمة الكتاب إلى القبض على مختلف ملامح تجربة البوكيلي، متوقفا بالخصوص عند محاولته “إيجاد صيغة توفيقية، تعادلية بين التشكيل الحروفي،وبين التشكيلات الفنية التراثية لتأخذ تجربته بعدا آخر”.

ومن المراحل المهمة في مسار البوكيلي، كما كشف عنها،أديب السلاوي، دخول ريشته لرحاب القرآن،مشيرا إلى أنه وعند إقدامه على هذه الخطوة، التي وصفها ب”العملاقة”، كان لزاما عليه أن يدرك بعمق، تبعية التعبير الديني للقرآن الكريم، ونظرة الإنسان إلى العالم المحيط به، واعتماد هذا الفن على نوع انفعاله العاطفي في الحدود التي رسمها الدين الحنيف.

وأردف السلاوي أن الفنان التشكيلي البوكيلي قدم قراءة تشكيلية لواحدة من أروع سور القرآن الكريم،” الرحمن علم القرآن،خلق الإنسان علمها البيان،الشمس والقمر بحسبان”..إلى آخر السورة الكريمة،معتمدا على الحرف المغربي الأندلسي، الذي طوعه،وأعاد بناءه، وعلى الزخرفة الشرقية العريقة، التي أعاد صياغة هندستها البنائية، ثم التهميش/ الحواشي، التي صاحبت كتب التفسير والسورة، ثم إمضاء المبدع بخط الطغراء (خاتم الملوك العثمانيين)، الذي أكد الهوية الإسلامية لقراءته التشكيلية.

ولاحظ السلاوي أن تجربة البوكيلي استرسلت عبر ست مراحل أساسية،أنجز خلالها أربع مجموعات خطية،تبتعد الواحدة عن الأخرى،بمساحات إبداعية واسعة، ولكنها تلتقي في منبع واحد، وهو الخط العربي.

وخلص إلى أن البوكيلي لم يكتف بتخطيط أعماله، وإنما “هندسها” في التفاصيل، كما كان يفعل تماما الفنان المسلم في العصور الغابرة، الذي كان حرصه شديدا على أن يكون “الشكل” هو أساس فنه.

الكتاب صدر باللغتين: العربية من تقديم الكاتب والاعلامي والناقد الفني والادبي محمد أديب السلاوي، والفرنسية من تقديم الكاتب والأديب والباحث الفنان التشكيلي محمد سعيد سوسان.

وجاء هذا الإصدار  مزدانا بالعديد من اللوحات التي تؤرخ لتطور “مسار” البوكيلي، الذي لم يفوت الفرصة دون أن يهدي إصداره الجديد إلى كل الذين لعبوا دورا مؤثرا في حياته الفنية والشخصية، وفي مقدمته والدته، التي قدمت الكثير من أجل تربيته وتشجيعه على السير بعيدا في مساره الفني، وكذلك الشأن بالنسبة لوالده.

كما أهداه،إلى “ابنة الجيران، “التي أسرت قلبي فوق السطوح”، وإلى أستاذته الأديبة الحاجة خناثة بنونة، “التي أهدتني المجهر لأتفحص المكنون والمسكوت عنه”، وإلى الزعيم علال الفاسي، ” الذي وقف ورائي ودفعني لأمتد على طول وعرض الوطن”،وإلى إخوانه وزوجته فوزية حيمي، أم بناته مريم، ريم، مها “التي تقوم بأدوار أساسية شتى”،وإلى حفيديه ندى وياسين، وقبلهما إلى الغائب الحاضر إبنه “ضياء، فلذة الكبد رحمه الله”.

وعلى إثر هذا الحدث الأليم المتمثل في وفاة محمد البوكيلي كتب الصحافي أحمد إفزارن على حائطه التواصلي “فايسبوك” مادة إخبارية طويلة تستعرض مناقب المرحوم البوكيلي نقتطف منها مايلي:(…محمد البوكيلي تَشكيليٌّ حَوَّلَ إسطبلَ أكباشٍ إلى مَتحفٍ فنّي.. إنه الفنانُ الناشِر، في القنيطرة.. نتَعارفُ منذ سبعينات القرن الماضي.. ذكرياتٌ متجذرة لا تُنسَى..التقَينا في العَمل بجريدةِ «العلَم» بالرباط، آنذاك، كان مُصحّحًا.. وأنا مُصفّفٌ على “اللّينُوتِيب“.

توَطّدَت بينَنا صَداقةٌ حمِيميّة..

وذاتَ يوم، بعد مُنتَصف الليل، وأنا أُديرُ تحريرَ مجلة “الإنسان الجديد”، اتصل بي على الهاتف.. وكالعادة، يبدأ بالضّحك، والتّنكيت، فيتحولُ الحوارُ إلي انتعاشٍ مُمتِع..

 وفي تلك الليلة، أخبرَني البوكيلي أن فكرةً قد خَطرت بباله.. ما هي؟ إنها تحويلُ “إسطَبل الأكباش” إلى مَتحف

!قال إنه لا يريد أن يرى الأكباش..

يريدُ أن يرى الإنسان.. الإنسانُ بدلَ الأكباش!

ومنذ تلك الليلة، ونحن نتَهاتفُ بعد مُنتَصف الليل

..مئاتُ الأفكار تولّدتْ من حِواراتِنا الثّنائيةِ اللّيلية..

وأهمُّ تلك الأفكار قامَ “محمد البوكيلي” بتجسِيدِها في مَتحفِه الذي دشّنَته وزيرةُ الثقافة السابقة، الفنانة الكبيرة “ثريا جبران“..

الإبداعُ لدَى الفنّانِ الكبِير هو الأوكسِيجِين.. الهواءُ الطّلقُ في حياتِه اليومية..

أنشأ المُبدعُ في القُنيطرة مَطبَعة، وصارَ يُمارِسُ هِوايتَهُ المُحبّبة، وهي طَبعُ الكتُب..

مئات الكتُب من مُختلفِ مَشارِب المَعرفة، طَبعَها وَوزّعَها بطريقتِه الخاصة، وحَصل على جائزةٍ أوربية، وعلى “دُكتوراه فخرية”، تقديرًا لمُساهماتِه الفِعلية في نشرِ الثقافةِ بواسطةِ النشر والتوزيع، وتقديرًا للطريقةِ الفنّية الجذّابةِ التي أَخرجَ بها تلكَ الكتُب..

ورغم أزمةِ القِراءة،  لم يَتوقّف البُوكيلي عن المُجازفةِ بكُلّ ما يَملك من أجلِ مُواصلة طبعِ ونشرِ الكتُب..

بعضُها تَحمِل اسمَ «البوكيلي للطّباعة»، حصَلت على جوائزَ في المغرب، منها جائزةُ الكِتاب لوزارة الثقافة..
كلُّ غلافٍ من كتُب “دار البوكيلي”، يُشكّلُ في ذاته لوحةً فنّية، بفَضلِ الجَماليةِ التي يَصنَعُ بها هذا الغِلاف، مِن حيثُ الألوان، والحُروف، والإخرَاج، والطباعة..

ومن يتأملُ مَنزلَه، يُدرك أنه تُحفةٌ فنّية..

ويُدركُ أيضا أن البوكيلي هو مَن رسمَ وصمّمَ ووَقف على إنجاز هذا المنزل، وما حول هذا المنزل الجميل...)

وبهذه المناسبة الأليمة تتقدم إدارة وهيئة تحرير “صدى تاونات” الورقية و معها موقع “تاونات نت” الإلكتروني؛ بأحر التعازي وأصدق المواساة إلى عائلة الفقيد الأستاذ محمد البوكيلي  وعلى رأسها زوجته السيدة فوزية وبناته الثلاثة حفظهن الله تعالى وأشقائه وشقيقاته كل واحد بإسمه، كما نتقدم بأحر التعازي لجميع زملاءه ومعارفه والمقربين سائلين المولى عز وجل أن يلهم عائلته وذويه الصبر والسلوان.

تغمد الله الفقيد  بواسع رحمته وأسكنه فسيح جناته مع الشهداء والصديقين،وانا لله وانا اليه راجعون.

اللهم انا نسألك بأسمك الأعظم ان توسع مدخله
اللهم آنس في قبره وحشته
اللهم ثبته عند السؤال

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 7223

جميع الحقوق محفوظة لموقع تاونات.نت - استضافة مارومانيا

الصعود لأعلى