الناقد المغربي (إبن تاونات) د. نصر الدين شردال يقرأ تنوع الشعر المغربي في ‘فسفسياء المعاني’

عن موقع “The Middle East Online”- لندن: “تاونات نت”//- يؤكد الناقد المغربي (إبن تاونات) الدكتور نصر الدين شردال أن المدونةُ الشعرية المغربية الحديثة والمعاصرة تضم أشكالا من فنونِ الكتابةِ الشعرية، بدءا من القصيدةِ العموديةِ، ومرورا بقصيدةِ التفعيلة، ثم قصيدة النثر وقصيدة الهايكو وقصيدة الومضة والشذرة، وشعر الملحون والزجل، وغيره من أشكال الشّعر الأمازيغيّ والحسّانيّ، وفنون القول الشّعبيّ الّذي يختلف من منطقة إلى أخرى.

إنّنا إزاء مدونة شعرية؛ أو فسيفساء متعددة الأجحام والألوان والأشكال والأبعاد، وهذا ما يضمن لها خصوصيتها وراهنيتها، ووعدها المستقبلي. بل وتتألف كل الأنماط والأنواع الشعرية فيما بينها، دون أن يلغي أي نوع النوع الآخر..

ويرى شردال في كتابه “فسفسياء المعاني.. دراسات في الشعرية المغربية المعاصرة”، وهو الكتاب المتوج بجائزة النقد الشعري للنقاد والباحثين الشباب (دار الشعر بمراكش.. دورة 2023)، أن المغرب يتموقع في فضاءٍ استراتيجيّ فعّال، يربطُ بين جغرافياتٍ وثقافاتٍ إنسانيّةٍ متعدّدة، مما جعله بلدا أصيلا ومعاصرا، يستجيب لاشتراطاتِ التّنوّعِ والاختلافِ، ومنفتحا على الثّقافات الأوروبيّة والإفريقيّة والمحلية، ويتميز بثَقافَة مركبة متَآلِفة؛ مَا بَيْنَ عَرَبِيَّةٍ وَأَنْدَلُسِيَّةٍ وَأَمَازِيغِيَّةٍ وَحَسَانِيَّةٍ وَصَحْرَاوِيَّةٍ وَفْرَنْكُوفُونِيَّةٍ وَأَنْجُلُوسَكْسُونِيَّةٍ وَعِرْقِيَّةٍ أُخْرَى، جَعَلَتهُ فَضَاءً للتّعايشِ الإِنْسَانِيِّ الْكَوْنِيّ، وَمَشْتَلا لِتَلاَقُحِ الأَفْكَارِ وَالإِبْدَاعِ، وَمَجَالا خِصْبًا لِتَعَايُشِ كُلِّ الحساسيّاتِ والتّوجهاتِ فِي مَا بَيْنهَا، بلْ إِنَّ التَّعَايش هو سِمَةُ الثَّقَافَةِ الْمَغْرِبِيَّةِ في وقتها الرَّاهِن. لقد كَانَ وَلاَ يَزَالُ مَنْبَعًا ثَرًّا لِثَقَافَاتٍ وإبداعاتٍ في شتى المجالات؛ في الرِّوَايَةُ، الْقِصَّةُ الْقَصِيرَةُ، النَّقْدُ الأَدَبِيُّ وَالْفَنِيُّ، التَّشْكِيلُ وَالرَّسْمُ، السِّينِمَا، التَّصْوِيرُ الفُوتُوغْرَافِيّْ، الزَّجَلُ، السّوسيولوجيا، الإِعْلاَمُ، الثَّقَافَةُ الشَّعْبِيَّةُ، الْغِنَاءُ، وَكُلُّ أَشْكَالِ التَّعْبِيرِ الْفَنِيِّ وَالأَدَبِيِّ سواءً المَكْتُوبِ باللّغةِ العربيّةِ، أوْ اللّغاتِ الأخرى، واللّهجاتِ العَامِيةِ، والمُرْتَبِط أشدّ الارتباط بهويته وملتحم بها.

ويشير في الكتاب الصادر دار الشعر بمراكش إلى أن الإبداعُ المغربي؛ بدءا من إبداعِ الحِرَفِ اليدويّةِ البسيطةِ وصولا إلى الإبداعِ الثّقافيِّ الأكاديمي الخلاق، شديد الاعتزازِ بالهوية المغربية، وخير مُجَسِّدٍ لها، وعاكس لتبلورها الجَمَالِيِّ واختلافها المَحْمُودِ، وخير سَفير لهَا نحو الأفقِ الثقافي الإنساني المُنْفَتِحِ. لا نستثني الشّعر العربيّ المعاصر من كل الإبداعِ المغربي الحديثِ والمعاصرِ، لأنه كان دائما الكلام السّامي، والدر الناصع العالق بنياط الذائقة والذاكرة العربيتين، ولا يزال وجها مشرقا من وجوهِ الثّقافةِ المغربيّةِ المتنوعةِ، وأحدُ أهمِّ مقوماتِ هوّيتها الثّقافيّةِ، والمساهم في تشكيلها وصياغتها والحفاظ عليها معتدلةً ومتميّزةً ومستمرة.

ويقول “تضم المدونةُ الشّعريّةُ المغربيّةُ الحديثةُ والمعاصرةُ أشكالا من فنونِ الكتابةِ الشّعريّةِ، بدءا من القصيدةِ العموديةِ، ومرورا بقصيدةِ التّفعيلةِ، ثمّ قصيدة النّثر وقصيدة الهايكو وقصيدة الومضة والشّذرة، وشعر الملحون والزّجل، وغيره من أشكال الشّعر الأمازيغيّ والحسّانيّ، وفنون القول الشّعبيّ الّذي يختلف من منطقة إلى أخرى… إنّنا إزاء مدونة شعريّة؛ أو فسيفساءٌ من الأشكالِ والأنواعِ تتعايشُ دون أن يُلغي أيُّ نوعٍ النّوعَ الآخر.

ويوضح شردال إن الحديث عن الفسيفساءِ، يقودنا إلى الحديثِ عن الزليج المغربي الذي يعتبر فنّا زخرفيا من الفنون والصنّاعات التقليدية المغربية الأكثر شهرة في العالم، وهو عبارة عن أشكال فخاريّة هندسيّة مدقوقة ومرصعة قطعة قطعة، مركبة بشكل جمالي وهندسي دقيق في لوحات من الجبس، وقد استعمل وما يزال في تزيين القصور والمنازل والأرصفة والساحات والجدران والموائد، ويتطلب الدقة والصّبر والتجربة في النحت والحفر والتدقيق والحساب من طرف الصّانع التقليدي “الزّلايجي”؛ الفنان العاكف على تطوير الصنعة والإبداع والارتقاء بهما. والشاعر المغربي المعاصر صانعٌ تقلدي وحداثي ومعاصر، ابن بيئته، يفتح عينيه على الجمال ويتذوقه، ويسعى إلى صناعته واستمراره، لكنه لا يستعمل المطرقة والإزميل والجبص، بل الورقة والقلم، والصورة والكلمة، وبها يتحدى الزمن السرمدي، ويحفر عميقا في تربةِ التجربةِ، وينحت من حجرِ الأيامِ أحلامه، ويلون القصيدة بألوان الحياة، يشكلها جماليا ليقدم للمتلقي روح المعنى ويفتح أمامه مَدَارج التّخييل والتّأويل، هكذا هو الشّاعرُ “زلايجي” الأدبِ، وصانعُ المعاني.

   في سياق قراءة فسيفساء شعريتنا المغربيّة يسعى شردال في كتابه إلى دراسة نماذج مختلفة في الحساسيات والرؤى والتجارب من فِي حداثة شعرِيتِنا المغرِبِية المُعَاصِرَةِ، تختلف في الجيل والجغرافيا، لكن يجمعها الشعر والتعلّق بالهويةِ المغربيةِ في سمتها العربي والعالمي المنفتح. ويؤكد إن هذه اللّوحةُ الفسيفسائية تتداخل فيها الأنواع والأشكال الشعرية العربية بالمغرب: (القصيدة العموديّة، القصيدة التّفعيليّة، قصيدة النّثر، قصيدة الهايكو، قصيدة الشذرة…) كما يختلف الشعراء؛ ويجتهدُ كل واحد منهم في إبراز لونه وأسلوبه الشعري الخاص به، لكنّه عنصر ضمن تشكيلة كاملة أشبه بلوحةٍ فسيفسائيّةٍ تتضامُ عناصرها من أجلِ تحقيقِ المتعةِ والفائدة والأثرِ الشعري.

ويضيف “يتضمن النص الشعري المغربي المعاصر علامات وإشارات ورسائل وأنساقا، وما يظهر منه هو علامات سيميائيّة بارزة، وما لا يظهر هو أنساقٌ مضمرةٌ، ولا يمكنُ الوصول إليها إلّا عبر التّأويل، وبذل مجهودٍ مضاعفٍ بالقراءةِ والمشاهدةِ، والتّفسيرِ والتّحليلِ، وهذا ما يحتّمُ عليّ الجمعَ بينَ نظريّة التلقي والسيمائيات التأويلية والنقد الثقافي، هذه التوليفة النقدية هي من صميم المعاصرة النّقديّة العربيّة والعالميّة، ومن قلب المعترك النّقديّ المتلاطم والمتجدّد، وهي المناهجُ الأنجعُ لمقاربةِ الشعرية المغربية المنفتحة في راهنها الفوار، وما تزخرُ بهِ من مرجعياتٍ وفنونٍ وأنساق ثقافيّةٍ تحتاجُ إلى قارئٍ مؤولٍ لفك ألغازها، واستكناهِ جماليّةِ ما وراء الظّاهرِ، إلى المضمرِ والباطن.

تقوم منهجية كتاب شردال على الاِستفادة من بعض الآليات التّحليليّة المُعتمدةِ في تحليل الظّواهر الفنيّة، كالتّحليل السينمائي، والقراءة التّشكيليّة، والقراءة البصرية “الإيقونولوجيا”. كما تقوم على خطّة محكمة، وفق رؤية شاملة؛ تقديم لكلّ فصل أو مبحث، ثمّ تمهيد وخلاصة، عبر تقديم الشاعر والبحث في خطابه الموازي وانشغالاته الثقافيّة والفنية، والاِستدلال بمتنه الشعري، مع دراستهِ وتحليلهِ تحليلا منهجيا وافيا قائما على الملاحظةِ والتّحليلِ والمقارنةِ والتّأويلِ والاِستخلاص، لأنتقل بعد ذلك إلى خلاصات تركيبية للفصولِ، وبعدها تجميع الخلاصات التركيبية في الخاتمة.

ويكشف شردال عنوان الكتاب “فسيفساء المعاني: دِرَاسَات في الشعرِية الْمغرِبية الْمعاصرِة”، إشكالات راهنة ومهمة تتعلّق بالشعر والنقد الأدبيّ، هذه الإشكالات تقوم عليها أطروحة الكتاب، ويفرضها البناء المنطقي والمنهجي له، وهي: كيفَ يبني الشاعرُ المغربي المعاصر المعنى الشعري، وما أثر ذلكَ في إنتاجِ الدلالة وتأويلها؟

ويوضح “هذه الإشكالية الكبرى تتفرع إلى أسئلة صغرى تابعة لها، ومرتبطة بها: كيف تتبدى أنساق المغايرة والاختلاف في الشّعرية المغربيّة المعاصرة؟ ما هي المضامين الجمالية للشعرية المغربية المعاصرة من خلال: القصيدة العمودية، والقصيدة التّفعيلية، وقصيدة النثر؟ ما الرّهانات المنتظرة من تجربة الشّباب في الألفية الثالثة، وآفاقها المستقبليّة؟. وللإجابة عن هذه الأسئلة، بَلْوَرَتِها تطبيقيا، حولتها إلى مباحث وفصول.

في الكتاب تجارب شعريّة مغربيّة معاصرة وراهنة، في الفصل الأول والذي عنونته: بـ”أنساق المغايرة والاختلاف في الشّعريّة المغربيّة الرّاهنة”، يدرس تجربة كل من الشعراء: مليكة العاصمي، وأحمد مفدي، وأمينة المريني، وصلاح بوسريف، وعبد السلام المساوي، ووداد بنموسى، وجمال بوطيب… بحيث يتم تخصيص لكل تجربة شعرية مبحث يدرس خصوصيتها، ومسار تطوّرها، وتحقّق المعاني الجمالية فيها، من خلال سبعة مباحث أساسية.

كما يدرس الكتاب ظواهر وقضايا تتعلق بالشعرية المغربية الراهنة في فصل واحدٍ من خلال مجموعة من الشعراء، هذا ما تطرق إليه في الفصل الثاني والموسوم: “أَنْسَاق الكتابة وأَفاقها الجمالية فِي قَصِيدَةِ النثرِ المغرِبية المُعَاصِرةِ: تَجَارِب ورؤى”، والفصل الثّالث المعنون بـ “”، ثمّ الفصل الرّابع والمخصّص لدراسة: “في أَصَالَةِ القَصِيدَةِ المغربية العمودِية ومعاصرتها: (مدخل لِدِرَاسة شعرِ الشباب)“.

ويخلص شردال إلى أنه بناءً على ما حلل من نماذجَ شعريّة من مختلف مدن المملكة المغربيّة، ومختلف الأجيال والحساسيات الشعرية المغربية المعاصرة، يمكن أن نستنتج مجموعة من الخلاصات الهامة، نوردها على الشّكل الآتي:

ـ الشعرية المغربية المعاصرة أشبه بلوحة فسيفسائية متعددة الأحجام والألوان والأشكال والأبعاد، وهذا ما يضمن لها خصوصيتها، وراهنتيها، ووعدها المُستقبلي.

ـ يتأسس الكون الشعري عند الشاعرة مليكة العاصمي على استراتيجيات الديبلوماسيّة الشعرية الناعمة وهي ديبلوماسية شعرية منفتحة ومتطوّرة.

ـ الرّؤيا الشعرية عند الشاعر أحمد مفدي رؤيا صوفية بامتياز، لكونها رؤيا قلبيّة وكشفيّة مقترنة باللّغة الصّوفيّة، والشّخصيات الصّوفيّة وشطحاتها وإشراقاتها.

ـ اجترحت الشّاعرة أمينة المريني نهجا صوفيا في القصيدة المغربيّة المعاصرة، وفتحت معابر التّجديد والبحث عن الآفاق الإنسانيّة النّبيلة، والحنين للمطلق والجمال الأعلى.

ـ يتخذ حضور الفن التشكيلي عند الشاعر صلاح بوسريف مظهرين: الأول تجلى في متن اللّغة ومكوناتها، والثّاني تمظهر على شكل الصفحة الشعرية، وكل مظهر ترتبط به مجموعة من طرق وآليات الاشتغال الفني الّتي عملت على فتح آفاق جديدة في حداثة الكتابة وأنماط تلقيها.

ـ انفتح الشاعر عبد السلام المساوي على السّينما واستوعب أدواتها الفنية، فأصبح نصه الشعري شاشة سينمائيّة معروضة في مواجهة المتلقي.

ـ تتعاضد الصّورة مع القصيدة في شعر الشّاعرة وداد بنموسى، وتتعاضد أكثر بالتّأويل المتّسق الّذي يقدّمه المتلقي.

ـ في شعر جمال بوطيب يتكامل الإبداعي مع الصّوفيّ عبر المكونات التالية: اللّغة، والحروف، والشّخصيات.

ـ قصيدة النّثر ليست هي الشكل النهائي الذي وصل إليه تطور الشعر المغربي المعاصر، ولا يزال مداها مفتوحا لتجريب أشكال معرفية ومقترحات كتابية وفنية أخرى.

ـ تجسد الشاعرة المغربية في قصيدتها أهم القضايا الوجوديّة، وأصغرها كذلك، وتحولها إلى كتابة شعرية شذرية تفتت بها قسوة العالم، وبفضلها تضيء عتمات الوجود، وتنتصر على قبحيات المجتمع/الواقع، وتصوّر العالم كما ينبغي أن تراه وتحلم به.

ـ تعرف القصيدة العربيّة المعاصرة بالمغرب، في شكلها العموديّ الخليليّ والتّفعيليّ طفرة نوعيّة مع جيلٍ جديدٍ من الشّباب الّذي لا يزال مؤمنا بطاقاتها المتجدّدة وإمكانياتها التّعبيريّة الهائلة.

ـ ما يزال للقصيدة العمودية الكثير من الطّاقة الحيوية بحيث تحول إلى كتابتها أسماء شعرية مغربية شابة حققت مجدا شعريّا مهما في المشرق العربيّ، أطلقُ عليهم اسم “أحفاد الخليل ابن أحمد الفراهدي”، وهي أسماء تنشط في الخليج العربيّ وتنشر في مجلاته خاصة مجلة بيت الشعر بالشارقة، مجلة القوافي، لكن بنكهة مغربيّة.

ـ تتآلف كلّ الأنماط والأنواع الشّعريّة فيما بينها، دون أن يلغي أي نوع النوع الآخر.

ـ نلاحظ بروز أنماط جديدة في الشعرية المغربية المعاصرة، أهمها: قصيدة الهايكو، والقصيدة الشذرة.

ويختم شردال “يبقى البحثُ عَن نَموذجٍ شِعريٍّ جَديدٍ غير مُستهلكٍ وغير مُستعادٍ هو رِهانُ شعريّتنا المَغربيّة المعاصرة، وذلك لن يتأتى لنا إلاَّ بالحفر عميقا في تربة المنسيِّ والرّاهنِ والمُختلفِ، والكوني. إن الأيام القادمة هي أيام الشعر، أيام هؤلاء الشعراء الشباب، ولا يزال أمامهم طريق الشعر محفوفا بالصبر والمكابدات والمكشافات.

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 7453

جميع الحقوق محفوظة لموقع تاونات.نت - استضافة مارومانيا

الصعود لأعلى