في اطار تنويعها لقضايا اقليم تاونات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتاريخية أيضا، ارتأت جريدة “صدى تاونات” تخصيص ملف هذا العدد لقبيلة الحياينة في محاولة لاثراء النقاش وابراز التنوع والغنى الثقافي والتاريخي لإقليم تاونات وذلك بالاستناد على الدراسات الأكاديمية للمؤرخين والباحثين حول قبيلة الحياينة.
عرفت منطقة الحياينة استقرارا قديما من طرف قبائل صنهاجة، ويؤكد هذه الحقيقة ” ليون الإفريقي” في كتابه “وصف إفريقيا”، وبالتالي يعرفنا بأولى القبائل التي تمركزت بين سبو وورغة شمال فاس ، حيث يروي أن بلاد الحياينة كانت تقطنها قبائل صنهاجة البربرية، ولم تكن توجد قبائل صنهاجة فقط ، وإنما كانت هناك قبائل أخرى “بني وامودا” التي اختفت بهذا الاسم وكانت تستقر في شمال إيناون، وقد كانت قبائل صنهاجة تمتد في جهة الغرب حتى وزان ، وفي الشرق كانت توجد قبائل بربرية أخرى هي قبائل زناتة التي أتت من الشرق في القرن 12 الميلادي مع بني مرين الذين أسسوا الدولة المرينية ، والذين استقروا بجانب صنهاجة من جهة الشرق ، حيث توجد قبائل رهيطة ، وبني ورتاج “التول” وبني يازغة في البرانس شرق منطقة الحياينة الذي كان تحت سيطرة مملكة فاس .
ولقد أثبتت الدلائل التاريخية أن قبائل الحياينة هم من أصل عربي، وأنهم جماعة من الكيش السعدي ، استقروا بالمنطقة بعد أن استولوا على أراضي صنهاجة ما بين 1540 و 1610م على عهد السلطان السعدي الشيخ بن المنصور ، الذي أراد أن يحيط مملكة فاس بقبائل عربية يثق في ولائها مكان القبائل البربرية وخصوصا صنهاجة الصعبة المراس .
و قبائل الحياينة هي عبارة عن كنفدرالية من ثلاث قبائل هي : أولاد عليان في الوسط ، وأولاد رياب في الجنوب ، وأولاد عمران في الشمال .
أسطورة أصل :قبائل الحياينة:
قصة حيون لدى المؤرخ الاسباني لازاريف
محمد بن الحسن الجناتي أهم أولياء الحياينة
ـ أورد Lazarev في معرض حديثه عن ماضي الحياينة روايتين حول أصل القبيلة ، اطلع عليها لدى السكان في عين المكان :
+ الأولى تفيد أن رجلا كان له ثلاثة أبناء ، اثنان من زوجة ، وهما عمران ورياب ، والثالث هو عليان ، من زوجة ثانية ، وكان ذلك الرجل يمتلك بلاد الحياينة .. لما توفي قرر الأبناء اقتسام الأرض فيما بينهم ، فكان نصيب عمران نواحي ورغة ، ونصيب رياب نواحي إيناون ، ونصيب عليان نواحي وادي اللبن بينهما ، وكان هذا التوزيع يهدف إلى وضع الأخ غير الشقيق في الوسط حتى لا تسول له نفسه مغادرة أرض الآباء . [ وأورد نفس الرواية من مقدم ضريح الولي محمد السهلي غرب تيسة ، لكن مع تعديل طفيف : تأويل التوزيع لا يبرر العلاقات القرابية بين الإخوة الثلاثة ، بل يلح على مستوى شجاعتهم وقدرتهم القتالية بما أن عليان كان أقلهم شجاعة ، فقد وضع في الوسط حتى لا يكون على جبهات المواجهة مع المجموعات القبلية الأخرى ].
+ الثانية تفيد أن أرض الحياينة كانت لصنهاجة الشمس ، قبل أن يأتي أولئك من أرض الجزيرة ويستقروا بها.
وقد جاء في كراسة وزعتها (جمعية مربي الخيول بتيسة) بمناسبة المهرجان الثاني للفروسية بتيسة 1981 ، ذكر رواية تجمع في الواقع بين الروايتين السابقتين ، وتفيد أن أهم أولياء الحياينة وهو محمد بن الحسن الجناتي ، لما توجه إلى الشرق ، التقى بشخص يدعى (حيون) ، أكرم مثواه ، فدعاه إلى القدوم معه إلى المغرب حيث كانت أرض شاسعة وخصبة تتطلب من يستثمرها ، فجاء (حيون) مع أبنائه الثلاثة … بقية الحكاية شبيهة بالرواية الأولى ].

هاتان الحكايتان ، كسائر أساطير الأصول القبلية تتموقعان بين الرمز والواقع التاريخي:
ـ الأسطورة الأولى تحيل على منشأ محلي سلالي لقبيلة الحياينة ، وهو ما يدل على تشبت المجموعة بانغراسها واندماجها في المجال الإيناوني .. في حين تقترب الحكاية الثانية من الاحتمال التاريخي الذي يختزل السيرورة التاريخية في حركتين أساسيتين : ـ إقامة صنهاجية سابقة ، ووفود عربي غير محدد الزمن .
يروي ( الحسن الوزان ) في كتابه (وصف إفريقيا ) عن المناطق الواطئة من حوض إيناون الذي كان تحت نفود قبيلة بني ومود كمجموعة من الفلاحين المستقرين المعتمدين على اقتصاد من صنف جبلي يجمع بين الزراعة والماشية والأنشطة الحرفية ( صنع الصابون) .
منذ القرن السابع عشر الميلادي بدأ التاريخ يحكي عن محتلين جدد لهذه المنطقة ذوو أصول عربية، اختلطوا مع السكان المستقرين حاملين معهم نظامهم. وحتى إن شكلت الحياينة وحدة على الصعيد الإثني، فإن هذه القبيلة لا تظهر أصيلة على مستوى الجغرافية الطبيعية (Lazarev, G .1966 ). وقد استنتج هذا الأخير إلى أنه من المحتمل أن تكون الحياينة قد عوضت بني وامود 31 ما بين 1540و1610 ميلادية وهي فترة وصول السعديين إلى فاس وانهيار الدولة الوطاسية G. 1966) (Lazarev. إذ خلال هذه الفترة انتقل السعديون من مراكش للاستيلاء على فاس بجيش مكون من قبائل عربية )بنو معقل) من ضمنها فرقة الحياينة. ويدعم هذه الفرضية وجود أولاد عمران) إحدى فرق الحياينة الآن) ضمن الجيش السعدي. ومكافأة لهم على هذه الخدمة حصلوا على بعض الإقطاعات (1978Lazarev G.). ويعرف كذلك أن السعديين شنوا سنة 1558 حربا ضارية على وادي اللبن ضد الجيش التركي الذي زحف من باديس. وكانت هذه الحرب من الحروب الحاسمة ضد زحف العثمانيين على المغرب (Lazarev G. 1966). ويبقى أن نتساءل هل يمكن أن يكون البلد الذي احتل بهذه المناسبة أعطي لجيش الحياينة؟
استقرار قبيلة الحياينة شمال ايناون في نهاية القرن 16 م
فجأة يختفي اسم قبيلة بني ومود من حوز فاس ، وبنفس الطابع الفجائي تظهر قبائل الحياينة (أهل جهة تازة) ضمن القبائل التي ساندت ثورة الناصر سنة 1003 هـ / 1595 م ، ولم تكن مجوعة الحياينة معروفة على الأقل تحت هذا الاسم . ولقد أورد Lazarevالفترة المحتملة لظهور تسمية الحياينة بالمنطقة ما بين 1540م / 1910م ، لكن عبد الرحمن المودن حدد هذا الظهور بكيفية شبه يقينية فيما بين 1578م / 1595م .
* فما هو الحدث البارز الذي طبع الفترة التي ظهرت فيها تسمية الحياينة ؟** *
ابان الصراع الذي احتدم بين المتوكل وعمه ، وقد دارت رحى الفصول الأولى لهذا الصراع في حوض إيناون بالذات ، وكانت اول مواجهة بين عبد المالك وابن أخيه سنة 1576 م ببني وريثن ، وقد ساهم فيها أولاد عمران ، وانحازوا إلى جانب عبد المالك بعد أن كانوا ضمن جيش المتوكل . وأولاد عمران أهم قبيلة في مجموعة الحياينة ، ولعلها أول من استقر بهذه المناطق.
وإذا لم يكن من المؤكد أن أولاد عمران ، وأحرى كل الحياينة ، كانوا منظمين في شكل قبيلة جيشية ، موزعة على المئين والأراحي ، فإنه من المحتمل أن يكون المخزن السعدي أو حتى المريني قبله ، قد أوكل إلى فرق منها لم تكن قد توحدت تحت نفس الاسم بعد ، ببعض المهمات المحددة كحراسة الطريق .





