خالد مونة مؤلف كتاب “بلاد الكيف،السلطة والاقتصاد عند كتامة”يطالب الدولة بإدماج الكيف في بدائل اقتصادية

جني الكيف بنواحي تاونات

جني الكيف بنواحي تاونات

الرباط:”تاونات نت”/أكد خالد مونة، الباحث الأنثروبولوجي، أنه لا يمكن القضاء على زراعة القنب الهندي، أو ما يسمى بـ”الكيف”، ودعا إلى إدخاله في البدائل الاقتصادية للمغرب.

وأشار الأستاذ في قسم السوسيولوجيا بجامعة المولى إسماعيل بمكناس وصاحب كتاب “بلاد الكيف، السلطة والاقتصاد عند كتامة”، “أن النقاش حول عشبة “الكيف”، الذي طرحته بعض القيادات الحزبية في سياق الانتخابات، لم يكن علميا ولم يذهب بعيدا في خلق وعي مجتمعي للتعامل مع عشبة “الكيف”، التي أصبحت تفرض نفسها بقوة على أكثر من جهة.

فعن بدايته مع البحث الأكاديمي في موضوع القنب الهندي أو ما يسميه المغاربة “الكيف”؟ قال الباحث الأنتروبولوجي خالد مونة ” أنا ابن مدينة تطوان، ولم أكن في يوم من الأيام أنظر الى “الكيف” باعتباره اختراقا للقواعد الاجتماعية والأخلاقية. وحين كنا صغارا لم يكن غريبا بالنسبة إلينا أن نشاهد أحد الجيران في الحي يقوم بـ”تقصيص الكيف وطابا”. كما لم يكن غريبا رؤية أناس يدخنون “السبسي”، فهذا الأمر كان شيئا عاديا. ولما كنت أتابع دراستي في العلوم السياسية بجامعة باريس 10، وحين وصلت إلى سلك الدكتوراه، شعرت بأنه لم تعد تروقني التحليلات المبنية على المقاربة التي تقدمها العلوم السياسية، إذ كنت أجدها في تلك السنوات سطحية، ولا أزال أراها كذلك”.

و”هكذا قررت التوجه إلى الأنثروبولوجيا. نعم، قررت أن أتجه نحو الأنثروبولوجيا، حيث كنت أحضر الدكتوراه، وأتابع الدروس مع طلبة الإجازة في الأنثروبولوجيا السياسية والاقتصادية. وقد اشتغلت على أشكال السلطة الجديدة في الريف الأوسط، تلك السلطة المادية والرمزية، التي جاءت مع اقتصاد “الكيف” في شكله الجديد كاقتصاد رأسمالي احتكرته فئة “البزناسا”.

وعن افادت الأنثروبولوجيا له في موضوع القنب الهندي؟ قال خالد مونة أن “الهدف من هذا العمل من الناحية الأنثروبولوجية هو فهم الأشكال الجديدة للسلطة بمنطقة كتامة بالخصوص، وأيضا تجاوز القراءة الثابتة لمفهوم السلطة التي قدمها ريمون جاموس عن الريف، والمبنية على الشرف والبركة.

وعن دخول “الكيف” الى المغرب اوضح الباحث الانتربولوجي أن” ارتباط تاريخ عشبة “الكيف” في المغرب تم عبر أشكال وتنظيمات اجتماعية مختلفة، فقد استعمل لأهداف غذائية وطبيعية وعلاجية. ورغم أنه لا يمكن أن نحدد فترة تاريخية محددة لاستعمال “الكيف”، فإن طرق استعماله اختلفت بين المقدس والسحر وأشكال أخرى مختلفة من الطقوس، خصوصا منها الدينية، حيث استعمل في مجموعة من الطقوس الصوفية، سواء في المشرق أو المغرب على حد سواء.

وقد رافق مجموعة من الطرق الصوفية في المغرب، حيث استعمل كأداة للوصول إلى نشوة روحية. كما استعمل في الطب التقليدي، إلى حدود سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. إضافة إلى استعمالاته الترفيهية في المناسبات الاجتماعية بشكل جماعي وطقوسي، وأخص بالذكر مادة “المعجون” التي يستعمل فيها “الكيف”.

أما على المستوى الاقتصادي، فإلى حدود القرن التاسع عشر، كان “المخزن” يحتكر تجارة “الكيف”، قبل أن يتم الضغط عليه مع الغزو الأجنبي للتخلي عن هذا الاقتصاد، واحتكاره من طرف القوى الأجنبية من خلال إنشاء شركة “الكيف” والتبغ سنة 1906.

وعن من الفئة التي انتفعت أكثر من تجارة “الكيف” بالمغرب؟ أجاب هذا الباحث أن “ الانتفاع مر من تجارة “الكيف” عبر مراحل متعددة، فمن مرحلة الاحتكار التي مارسها “المخزن” على هذه التجارة إلى حدود أواخر القرن التاسع عشر، إلى مرحلة التقنين من طرف المستعمر الفرنسي من خلال إصدار عدد من الظهائر، أهمها ظهير 1934، الذي حدد المناطق الجغرافية التابعة للنفوذ الفرنسي عبر إبرام عقود موقعة مع مزارعين في مناطق متعددة، وصولا إلى مرحلة الاتجار الدولي.

وعن مسألة وجود قانون من عدمه بمنطقة كتامة والريف على اعتبار انها لم تكن تحت الاستعمار الفرنسي، اوضح الأنتربولوجي خالد “طبعا، عكس منطقة الريف، التي ظلت بمنأى عن أي تأطير قانوني، وضعت فرنسا اللبنات الأولى لتقنين “الكيف” قبل أن تمنعه قبل خروجها من المغرب بظهير 1954، الذي تم بموجبه منع زراعة وتجارة واستهلاك القنب الهندي.

هذا الظهير سيتم تعميمه على منطقة الريف، التابعة للنفوذ الإسباني بعد الاستقلال. وتجدر الإشارة إلى أن فرنسا أصدرت هذا الظهير لأن “الكيف” لم يعد يدخل ضمن اهتماماتها الاقتصادية بحكم التغير السوسيو-سياسي الذي حصل في هذه المرحلة. لم تراع فرنسا أي خصوصية محلية، خصوصا أنه بعد الاستقلال سيعرف “الكيف” مسارا مغايرا، حيث ستتحول تجارته واستغلاله إلى تجارة غير شرعية تتحكم فيها شبكات جهوية ووطنية ودولية بحكم دخوله في اللاشرعية.

وعن رؤيته للمقاربة الحالية التي تنهجها الدولة في علاقتها بـ”الكيف”، أجاب قائلا:

أولا، يجب تحديد مسألة مهمة. فما نلاحظه، اليوم، هو أن الدول المنتجة هي دول الجنوب، والدول التي تفرض اتفاقيات، كاتفاقية 1971 و1972 و1961، والتي تخلط بين مخدرات المهلوسة والأومفيتامينات والمهدئات.

هذه الاتفاقيات الموقعة من قبل دول الجنوب، والمفروضة من طرف دول الشمال، لا تراعي الخصوصيات المحلية، فلا مجال للمقارنة بين مخدر “إكستازي” والقنب الهندي.

وأشير في هذا الصدد إلى أن الدول المنتجة للمخدرات، سواء تعلق الأمر بـ”الكوكا” أو القنب الهندي، لم تمتلك إطلاقا السيادة في اختيار سياستها تجاه المخدرات التي تنتجها، عكس دول الشمال التي يمكنها أن تقرر أن تقنن أو تمنع زراعة واستهلاك المخدرات متى شاءت، كما هو الحال في ولاية كاليفورنيا ومجموعة من الدول الأوربية.

فمجال المخدرات، إذن، يعطينا رؤية واضحة حول علاقة شمال-جنوب، حيث إن دول الجنوب لا تمتلك الجرأة ولا الرؤية المستقبلية في سياستها تجاه المخدرات. وربما تبقى التجربة البوليفية استثناء وفريدة من نوعها كدولة من دول الجنوب.

أما عن التجربة المغربية، فمن نتائج سياستها الأمنية وجود عدد مهم من المزارعين في وضعية المتابعة القضائية.

فالمقاربة الأوفر حظا لهذه الزراعة برأيه هي أنه ” لا بد أن تنطلق كل المبادرات من مقاربة تشاركية مع المنتجين، خاصة أن القضاء على هذه الزراعة أصبح، اليوم، أمرا صعبا للغاية، فعلى الدولة إعطاء الفرصة لإدماج “الكيف” في بدائل اقتصادية.

فالقنب الهندي يحتوي على مؤهلات طبيعة يمكنها تنظيم الدورة الدموية، والتخفيف من نوبات الحساسية، والحد من تفاقم هشاشة العظام، كما يمكن استعماله بديلا للإدمان على الكوكايين. إضافة إلى استعمالاته في مجالات أخرى كالبناء، مثلا، وهناك مبادرات من هذا القبيل من المفروض تشجيعها والإنصات إليها.

وعن وجهة نظره بخصوص مبادرة الأحزاب أثناء مناقشتها موضوع “الكيف”، خاصة حزبي الاستقلال والأصالة والمعاصرة، إضافة إلى النقاش المجتمعي الذي رافق هذه المبادرة، أبرز خالد مونة أنه ” بالرغم من أن مبادرة الأحزاب جيدة على مستوى المضمون، لكنها لم تخرج عن نطاقها الفولكلوري، خاصة أنها لم ترق إلى فتح نقاش مجتمعي جاد.

والسبب في ذلك برأيه، يعود إلى غياب وعي لدى الفاعل السياسي بصعوبة الموضوع، فالحديث لا يكون باسم الفلاحين فقط، لأننا ننحدر من الريف، فقد غلب البعد الانتخابي في هذا النقاش، وهو ما أفرغ المبادرة من مضمونها.

وقد أبان النقاش عن جهل مجموعة من المتحدثين باسم المنطقة بهذا الملف، عبر وضع تقسيمات جغرافية انطلاقا من المناطق التاريخية والمناطق الجديدة. وقد سمعت في أحد اللقاءات قياديا سياسيا بارزا يقول للفلاحين إن فرنسا تنتج “دوليبران” من “الكيف”، وأنها تجني أورو واحدا من كل علبة “باغسيتامول”. كيف لمسؤول أن يقول هذا الكلام ويدعي بأن له بديلا بخصوص موضوع زراعة القنب الهندي؟

و عن الحملة ضد البارونات في تسعينيات القرن الماضي، وأبعادها أشار الباحث الى انها ” كانت للحملة ذات أبعاد سياسية واقتصادية. فعلى المستوى السياسي، كان الهدف منها هو وضع حد لنفوذ بارونات في شمال المغرب. هذا النفوذ وصل إلى دواليب الدولة عن طريق العلاقات، التي كانت تجمع إطارات كبيرة في الجيش والدرك والشرطة ببعض البارونات. أضف إلى ذلك السلطة التي كانت تمارسها البارونات على ضفة البحر الأبيض المتوسط كمجال للتهريب.

وقد حاولت الدولة أن تعيد هيبتها من خلال هذه الحملة، ومنعت الاحتكار الذي كانت تمارسه مجموعات معينة من البارونات، التي كانت لا محالة ستؤدي إلى بروز كرتيلات في المنطقة.

أما على المستوى الاقتصادي، فـ”الحشيش” يدر سيولة مالية مهمة لم تكن الدولة قادرة على متابعتها، مع الركود الاقتصادي الذي عاشه المغرب في هذه الفترة، إذ ساهمت هذه الحملة في إدخال موارد مهمة إلى خزينة الدولة، لكن الحملة لم تخرج عن تصفية حسابات داخلية بين مسؤولين كبار في دواليب الدولة كانت لهم ارتباطات بشبكات التهريب. ويمكن القول إن الحملة ساهمت في القضاء على الجيل القديم من البارونات، وتم فتح الباب أمام بارونات جدد مثل هشام الرماش.

وعن وجود معطيات سوسيولوجية حول استهلاك القنب الهندي في السوق الداخلية بالمغرب من عدمه قال خالد مونة” ليست هناك معطيات حول المدن المستهلكة لـ”الحشيش” أو القنب الهندي، فنحن بلد منتج ومستهلك. لكنه، للأسف الشديد، يفتقر إلى بنيات بحث في هذا الموضوع، بنيات قادرة على بناء معطيات وتحليلات كفيلة بتغيير نظرتنا تجاه الحشيش، ووضع سياسة عمومية صحية في مجال استهلاك المخدرات. هناك بعض الإحصائيات التي تتحدث عن 80000 شخص مستهلك للحشيش.

وهناك مناطق كانت ولا تزال مستهلكا لـ”الكيف” كمنطقة بني ملال وعبدة ودكالة، عكس استهلاك “الحشيش” الذي له طبيعة حضرية، فـ”الكيف” ما زال يستهلك في البوادي والمواسم التي تقام في ربوع المغرب”.

نبذة عن الباحث الأنثروبولوجي خالد مونة:

 الباحث الأنثروبولوجي خالد مونة

الباحث الأنثروبولوجي خالد مونة

خالد مونة أنثروبولوجي وأستاذ باحث في جامعة مولاي إسماعيل بمكناس شعبة علم الاجتماع، وأستاذ زائر بجامعة مونبوليي 3 والمدرسة العليا للدراسات الاجتماعية بباريس، وعضو هيئة التدريس في الماستر الأوربي Crossing the Mediterranean: towards Investment and Integration (MIM) في جامعة كافوسكري بالبندقية، وباحث في معهد جاك بيرك للعلوم الإنسانية، وعضو في لجنة التحكيم في مجلة Espace Temps الصادرة عن مدرسة بولي تيكنيك لوزان ومجلة FuoriLuogo الصادرة عن جامعة فريدريك 3 نابولي.

صدرت له أبحاث متعددة في مجال زراعة القنب الهندي في المغرب، نشرها في مجلات دولية محكمة، إضافة إلى كتاب “بلاد الكيف، السلطة والاقتصاد عند كتامة”.

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 7122

جميع الحقوق محفوظة لموقع تاونات.نت - استضافة مارومانيا

الصعود لأعلى