كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

إبن تاونات عبد اللطيف العبدلاوي

إبن تاونات عبد اللطيف العبدلاوي في متحفه في البهاليل بصفرو

حميد الأبيض :”تاونات نت”/في ملتقى زنقتي كاف الرهوني وعنقودة بالبهاليل بصفرو، كهف لا يشبه باقي الكهوف المشتهرة بها المدينة، في وضاعتها وبؤس السكن فيها؛مالكه ابن بني قرة ببوعادل بتاونات، حوله إلى ورشة حرفية مفتوحة ومتحف يحتوي كنوز الكتب ونفائس المطبخ المغربي وأغراضا قديمة. المكوث فيه ساعات، يعيد زائره إلى عمق تاريخ موسيقي وإبداعي موغل في القدم.

في رحلة اكتشاف عادات وتقاليد وتجهيزات وأدوات منقرضة أثثت حياة مغاربة القرن الماضي، ولم يعد لها وجود إلا في هذا الفضاء الممتد على طول 10 أمتار قبل أن ينعرج في أقصاه يسارا ب5.5 أمتار، حاضنا صورا وأثاثا نادرة.

أهالي المنطقة يجهلون ما تخفيه وتحجبه بوابة الكهف وأركانه من نفائس تحتاج إلى من يضيء تاريخها وينفض عنها غبار التناسي وغض الطرف عن مجهود يستحق عليه مالكه ثناء ودعما يمكنه من تسويق خبرته وطنيا، بعدما عبرت إبداعاته حدود المغرب، في اتجاه كل القارات، دون حاجة إلى تأشيرة أو استئذان.

كهف تحول إلى متحف زاره مشاهير وقنوات إعلامية عالمية

كهف تحول إلى متحف زاره مشاهير وقنوات إعلامية عالمية

الانحناء إجلالا

ولوج الكهف غير ممكن إلا بالانحناء إجلالا ليس لقدسية المكان، بل لما يحويه من نفائس تحتاج مجهودا لمركزتها وترتيبها حسب التيمة والأهمية والقدم. من الباب تتراءى متزاحمة ذات اليمين والشمال، بطريقة يصعب اكتشافها إلا بإرشاد من شاب تاوناتي أمي علمته مرارة الحياة ما لا يتعلمه أقرانه بين جدران المدارس.

قبل 7 سنوات استقر عبد اللطيف العبدلاوي (47 سنة)، بمدينة البهاليل بعد زواجه من فتاة أمازيغية أنجبت منه الطفلتين ياسمينة وفاطمة الزهراء، ليحول الكهف إلى متحف لما جمعه من نادر الأثاث والتجهيزات، أثناء استقراره طيلة عقدين بالناظور ومراكش وقلعة مكونة وأسيول بالصحراء وسبتة ومليلية السليبتين.

المبدع عبد اللطيف العبدلاوي في زيارة له لمقر جريدة"صدى تاونات" و"تاونات نت" بتاونات

المبدع عبد اللطيف العبدلاوي في زيارة له لمقر جريدة”صدى تاونات” و”تاونات نت” بتاونات

حرص منذ صغره على اقتناء كل ما يصادفه أو يعرض عليه من أشياء قد لا يقدر بائعوها قيمتها التاريخية. ولم يتخاذل في ذلك حتى ولو قل مصروفه، إلى أن أغرق الكهف بمثل تلك الكنوز التي تسيل لعاب سياح من جنسيات مختلفة، يفدون على المدينة وتقودهم أقدامهم إلى داخله،  يقتنون بعضها، هدايا لأقاربهم.

لم يغلب الرجل المؤمن بقدسية رسالته النبيلة التي غفلت عنها عيون وزارة الثقافة، الربح المادي، بل اتخذ الأمر هواية موازية لما يبدعه من لوحات وأدوات وتجهيزات خشبية ورث “حرفتها” من والده وجده وخاليه سيما المرحوم عبد المجيد المشهور بمنتجع بوعادل السياحي بتاونات، بورشته لصناعة “ديكورات” الخشب.

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

ورغم أهمية ما يبدعه هذا الحرفي العصامي، وجمعه مثل تلك النفائس النادرة، فإن أبواب تسويق مجهوده، لم تتح له إلا في معرض وحيد حضنها بسيدي الطيبي بالقنيطرة في 15 يوليوز الماضي، في انتظار التفاتة رسمية متوجة لاختياره أفضل صانع تقليدي بجهة فاس، من بين عشرات الحرفيين ومهنيي الصناعة التقليدية.

صور نادرة

أول ما يثير انتباه والج الكهف، صور فوتوغرافية متناثرة بجنباته، بعضها “بروفايلات” بأحجام مختلفة لشخصيات فاسية، وأخرى مؤرخة لمهن وحرف وعادات من أنحاء مغربية مختلفة، وبينها نحو 20 صورة لتلاميذ أقسام بمدرسة الأطلس بفاس، التقطتها عدسة مصور معروف بزقاق الحجر، وبعضها يعود إلى 1951.

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

ولا يستغرب عبد اللطيف مفاجآت تقع أحيانا باكتشاف زوار صورا نادرة لأقاربهم، من بين “الألبومات” المحتفظ بها والحاضنة صورا نادرة لعدة فنانين مغاربة وعرب وأجانب بعضها للفنانة أم كلثوم رفقة فرق فولكلورية مغربية ومع فاتن حمامة وفايزة أحمد، وللمرحوم الحسن الثاني يناول الأميرة للا مريم كوب شاي.

غالبية تلك الصور بالأبيض والأسود، وبعضها منسوخة على “القصدير” أو لحرفيين بفاس وصفرو وأشخاص برعوا في فن الحلقة بساحة أبي الجنود بينهم حربة “الحلايقي” الذي استحضر إبداعاته محمد الناجي “صنايعي النحاس” برحبة الزبيب صديق عبد اللطيف الذي حضر رحلة اكتشاف هذا الكهف المتميز بنفائسه.

يسهب العبدلاوي مالك قدرة خارقة على إنجاز تماثيل و”بروفايلات” الأشخاص سيما نقشا على الخشب، في الحديث عن كل صورة نادرة يكتشفها بين مئات الصور المحتفظ بها في صندوق خشبي خاص، بما فيها تلك التي جمعته بالفنان الأمازيغي الراحل موحى والحسين أشيبان (المايسترو) بقرية تيغاسالين ناحية خنيفرة.

“أعددت فطوره بنفسي. وحدثته طويلا. كان يستعد للسفر إلى فرنسا لحضور مهرجان. وسرني لقاؤه” يحكي الرجل الذي صادفه أثناء زيارته للقرية للتزود بحاجياته من خشب الأرز الذي يستعمله في صنع ديكورات وأدوات مطبخية وكراس وطاولات ولوحات منقوشة يعيش وأسرته من مداخيل بيعها سيما للسياح الأجانب.

علاقة وطيدة

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

يعتبر السياح الأجانب من مختلف الجنسيات والقارات، من أكبر زبناء عبد اللطيف وكهفه وعلاقتهم وطيدة به وبما يدخره من تجهيزات وأدوات قديمة ومايبدعه من لوحات تشكيلية منقوشة، وكراس وطاولات صغيرة وتسيل لعابهم، إلى درجة أن شهرته بالخارج سيما بعد نشر مقال عنه بموقع إلكتروني أمريكي.

غالبيتهم ممن نزلوا ضيوفا على “رياض” قريب من كهفه، تحولوا إلى زبناء بعد افتتانهم بما يحبل به الرياض من مجسمات ومصنوعات خشبية من صنعه الشخصي إلى اللوحات المتراصة و”إطار” عداد الكهرباء الخشبي قرب بابيه الخشبيين، وما تحبل به الغرف من أسرة و”خزنات” وكراس أبدعها.

حمامات الغرف شاهدة على موهبته الخارقة المتفتقة، من “الرشاشات” الخشبية إلى الصنابير العجيبة المؤثثة ب”الخابية” وما بينها من مصنوعات أبدعها وتراصت بشكل متناسق من الباب الخارجي وعبر السلالم وبالغرف وفي السطح المتيح لنظرة بانورامية على مدينة البهاليل المفتخر بتاريخها الضارب في القدم، من قبل أهلها.

تزور البهاليل 12 امرأة أسترالية مسنة، يطلق عليهن “الأميرات” في جولات سياحية متكررة سنويا، لا يتوانين في اقتناء بعض ما ينتجه سيما المصنوعات الخشبية، إحداهن تدعى “كولس كانسا” مواظبة على الزيارة في أبريل وأكتوبر، وعدته بتنظيم معرض خاص يعرف به بأستراليا، كما أمريكية نقش اسمها على لوحة خشبية نسيتها.

ويفتخر عبد اللطيف بهذه الالتفاتة وإنجازه “جنريك بالخشب” (100 pour 100 fes) لفائدة الصحافي الفرنسي فريدريك بوسيير، وبزيارة فنانين فرنسي وإسباني لا يتذكر اسميهما، أحدهما مقيم بمدينة بطنجة، له وشرائهما نماذج مختلفة من أسطوانات تقليدية قديمة تتضمن أغاني نادرة لهما غنياها قبل سنوات طويلة.

نفائس متنوعة

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

تشكل مختلف التجهيزات المنزلية القديمة نسبة مهمة مما يحبل به هذا الكهف، سيما الأنواع القديمة من قارورات زيت المائدة خاصة أنواع “مراكش” و”مولاي” و”صوميو”، وتلك للمشروبات الغازية من صنف “بوم” و”صود أرينت” و”أناناس”، والعلب القصديرية “للفروماج” من صنفي “البقرة الحسناء” و”البقرة الضاحكة”.

وتبقى آنية طبخ بقعر أشبه ب”الزلافة” أقدم الأواني المطبخية المحتفظ عبد اللطيف بأصنافها، بما في ذلك “الكسكاس” و”البرمة” و”السطل” و”البرارد” والصحون القصديرية وزجاجة نادرة وزعت في عام “الجوع”، وأشكال مختلفة من “الفورنويات” و”الريشو” للطهو أقدمها تشتغل بالغاز كما “القنديل وأشكال “اللمبة”.

الكهف غني بما فيه من “مرافع” خشبية لوضع الأواني التي بينها “الربيعة” لتخزين السكر، إضافة إلى أدوات أخرى لم يعد لها وجود في المعيش اليومي للمغاربة كما أشكال للمفاتيح والأقفال المستعملة لإغلاق الأبواب الخشبية والحديدية، والمحفظات المدرسية ومحافظ الملابس ومختلف الأدوات المستعملة في الحلاقة.

“قريعات الكحل” و”الكريم” و”الفرشي” و”المشطة د القرن” و”المرايات” والوقيد ومختلف أنواع السكاكين والخناجر والسيوف والصمغ والصنصال والساعات اليدوية والعنقية وعدادات الماء و”الحصار” والرحى التقليدية” وسروج الخيل. أدوات أخرى متعددة ومختلفة يحتفظ بها الرجل اعترافا بقيمتها في انتظار زبناء.

كل الأدوات القديمة المستعملة في الإنارة والطهو وتجهيز المطبخ والبهائم وزينة النساء بما فيها تلك المستعملة من قبل النساء اليهوديات وغيرها، يحتفظ بها كما لعب الأطفال بما في ذلك المفرقعات و”كروسة خشبية”، و”الفتيلة” و”الخيوط الكهربائية” وآلة قمار (سويرتي) اقتناها من قبل من سوق رأس القليعة بفاس.

أسطوانات وأشرطة

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

“ما أحلى إفران وما احلى جمالو”. أغنية للفنان إبراهيم العلمي، اختار عبد اللطيف العبدلاوي إمتاع آذان زائريه الفضوليين، بسماعها من آلة “التورن ديسك” التقليدية واحدة من عشرات الآلات المماثلة وآلات التسجيل النادرة التي يحتفظ بها في “متحفه” غالبيتها مشتغلة، كما أجهزة “راديو” وآلات تصوير قديمة جدا.

ويفتخر بحيازته آلة عبارة عن أسطوانة ومذياع، “كان كيتفرج فيها الدوار كامل” ومذياع من عهد الاستعمار وجهاز اتصال عن بعد (طولكي وولكي) قديم جدا، وعداد نادر للماء وأجهزة مختلفة للربط بالشبكة الكهربائية وموصلات الكهرباء، وأشرطة “كاسيط” وأسطوانات بأحجام مختلفة غالبيتها متوسطة الحجم.

في خزانته يمكن للزائر العثور على أسطوانات تحبل بأغان أداها فنانون مغاربة وأجانب في ريعان شبابهم، كما المرحوم محمد العروسي في “كاس المحبة”، وعبد الوهاب الدكالي في “حبيب الجماهير” وناس الغيوان في “غير خدوني” والحاجة الحمداوية في “الحدرة” والشيخ حميد والشيخة ربيعة والثنائي العوني والبهلول.

وتبقى أسطوانة للفنان العالمي موزار أهم الأسطوانات المحتفظ بها، التي قدرها بأكثر من ألفي أسطوانة، ومئات أشرطة الكاسيط بعضها بشكل قديم غير مألوف في السوق، مؤكدا بيعه عددا لا يستهان به كما 40 آلة تصوير تقليدية إحداها نادرة سماها “لاباري د شارلي شابلن” وأخرى “ديال الرابوز”.

اهتمام الرجل ابن دوار بني قرة ببوعادل الذي عاش متنقلا بين عدة مدن وأقاليم مغربية بحثا عن مصدر رزقه وسبل استقراره المحفزة، لا يقتصر على ذلك، بل يمتد إلى اهتمامه الخاص بالصحافة المغربية القديمة، من خلال احتفاظه بنسخ متعددة لصحف مغربية وأجنبية صدرت في القرن الماضي.

كتب وأدوات

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

كهف بنواحي صفرو مالكه ابن تاونات يحكي قصصا من الماضي

تشكل المخطوطات والكتب سيما المدرسية، نسبة لا يستهان بها ضمن “كنوز” الفضاء، بعضها يعود إلى مئات السنين، كما نسخة من المصحف الكريم بخط اليد، وكتاب “المجيار المعرب” و”شعائر الطريقة الأحمدية” لمحمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الحسني الكتاني، المتآكلة نسختاهما بشكل صعب معرفة مؤلف الأول.

ومن بينها سجل خاص للعدول موثق لعدة زيجات قديمة في فترة لم يتجاوز فيها ثمن التنبر الريال الواحد، مطعما بعشرات عقود النكاح عن محكمة التوثيق بفاس، أحدها أرخ لزواج شخص بأكثر من امرأتين قبل أربعينات القرن الماضي، في ورقة طويلة صعب قراءتها لطبيعة الخط وانمحاء الحبر المكتوبة به لعوامل مختلفة.

والملاحظ وجود عدة كتب أجنبية بما في ذلك أحدها صادر عن “راديو إسبانيا” و”الألعاب الرياضية” لمصطفى رسام و”دليل الحج والسياحة” و”لقراءة وفهم أفضل” ومعجم حساب أعده محمد بن زيان المدير العام المساعد للمكتب الدائم لتنسيق التعريب في الوطن العربي، وأول كتاب لتدريس الفرنسية في المدارس المغربية.

ويحضن هذا الكهف/ المتحف، كتبا تاريخية مختلفة وأخرى مدرسية نادرة ودفاتر مكتوبة بالحبر أو فارغة بأغلفة لاصقة من أنواع مندثرة كما أشكال مختلفة من الأقلام والطباشير و”ريشات” و”محبرات” بالزجاج والبلاستيك و”الخشيبات” وصور كبيرة تلصق في جدران الحجرة واستعملت لتسهيل استيعاب التلاميذ للدروس.

ويحتفظ العبدلاوي الذي يتكلم الفرنسية وتعلم القراءة والكتابة دون ولوج المدرسة، بأوراق وأقلام نادرة على شكل ريشة، ونحو 400 ريشة لكتابة العربية (غليظة) والفرنسية (رقيقة)، وأغلفة سكر وكراسات قديمة و”جلدة” مكتوبة بخط اليد، وكتب بالعبرية اشتراها من يهود مغاربة استقروا بمدينتي البهاليل وصفرو.

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 7417

جميع الحقوق محفوظة لموقع تاونات.نت - استضافة مارومانيا

الصعود لأعلى