البروفيسور فتحي (إبن إقليم تاونات) في حوار مع “الأخبار”: «الشرايبي”عراب لوبي”يجني ريع الإجهاض ويسعى إلى ممارسته قانونيا… Reviewed by Momizat on . [caption id="attachment_3269" align="aligncenter" width="500"] البروفيسور خالد فتحي[/caption] محاربة الإجهاض السري حصان طروادة لاقتحام قلعة القانون. الإجهاض وأد [caption id="attachment_3269" align="aligncenter" width="500"] البروفيسور خالد فتحي[/caption] محاربة الإجهاض السري حصان طروادة لاقتحام قلعة القانون. الإجهاض وأد Rating: 0

البروفيسور فتحي (إبن إقليم تاونات) في حوار مع “الأخبار”: «الشرايبي”عراب لوبي”يجني ريع الإجهاض ويسعى إلى ممارسته قانونيا…

البروفيسور خالد فتحي

البروفيسور خالد فتحي

محاربة الإجهاض السري حصان طروادة لاقتحام قلعة القانون. الإجهاض وأد للحياة وامتهان للمرأة. الإجهاض خرق للدستور الذي يتضمن الحق في الحياة. قوانين الإجهاض ينبغي لها الانسجام مع قناعات الشعب المغربي».. ذلك بعض من المواقف التي عبر عنها البروفيسور خالد فتحي بخصوص النقاش الدائر حول مسألة تقنين الإجهاض. في حوار شامل مع «الأخبار»، يرى أخصائي أمراض النساء والولادة بمستشفى السويسي بالرباط (إبن دائرة غفساي بإقليم تاونات) أن حجج الداعين للإجهاض واهية لا تصمد أمام الأدلة العلمية والطبية، كاشفا أن إسقاط الأجنة المشوهة يكون في أغلبه لسبب جمالي مزاجي وللاشتباه فقط. وأشار فتحي إلى أن المطالبة بإلغاء الإعدام وبإعدام الجنين تفضح مخططات لوبي الإجهاض. ويذهب أخصائي أمراض النساء إلى أن الدكتور شفيق الشرايبي، رئيس الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري، لا يمثل الرأي العام الطبي وأنه أرنب سباق للعلمانيين وعراب للوبي يجني الأرباح من عمليات الإجهاض

س/احتدم نقاش واسع أخيرا حول تقنين الإجهاض استدعى تشكيل لجنة ملكية بغية اتخاذ موقف موحد من هذه القضية، هل لكم أن تضعونا في صورة هذا النقاش من وجهة نظركم؟

من المؤكد أن جلالة الملك استعمل سلطاته في هذا الصدد التي يخولها له الدستور في الحقل الديني، وصار لزاما الآن الانفتاح على آراء كل الحساسيات بكل مشاربها، حتى تتضح الرؤى والمواقف أكثر بخصوص هذه القضية الشائكة والحساسة. هذه القضية التي يصر البعض على وضعها ضمن أجندة المغاربة، ولذلك فإن من المجدي جدا أن تتولى الدولة تأطير مثل هذه النقاشات الحساسة درءا لأي انحرافات أو انزلاقات أو تطرف في أي اتجاه كان.

فالإجهاض بعد أن جعل منه البعض معركته المصيرية، ليس على الواجهة الطبية فقط، بل على الواجهة السياسية أيضا، أخذ يتحول إلى نقطة خلافية مؤرقة تشطر المجتمع، لا أقول إلى نصفين أو إلى تيارات متكافئة، بل إلى أغلبية واضحة ترفض رفضا قاطعا مثل هذه الممارسة الشنيعة، وتمانع بشدة أن يذهب القانون المغربي في هذا المنحى. لكن المشكلة أن هذه الأغلبية هي أغلبية صامتة وغير مبادرة، وذلك من فرط اطمئنانها إلى أن القوانين في بلد مسلم كالمغرب، لا يمكنها أن لا تنسجم مع القناعات الثقافية والدينية والحضارية لمجتمعنا، ولا يمكنها أن تتناقض مع قيم حقوق الإنسان كما نستدل عليها بالعقل أو نهتدي إليها بالعلم، وليس كما قد يصدرها لنا الآخر أو يصورها لنا انبهارنا بنموذجه المجتمعي. في مواجهة هذه الأغلبية، هناك أقلية تريد أن توهم الكل من خلال ارتفاع صوتها، وعبر استراتيجية وتكتيك مدروسين أنها تمثل شطرا مهما من المجتمع، حيث لا تنفك تنادي بأن الإجهاض هو أيضا حق من حقوق الإنسان، وأنه مستلزم ضروري من مستلزمات الحداثة الذي لا مناص لنا من أن ندمجه اليوم أو غدا في منظومتنا القانونية، إذا كنا ننشد اللحاق بركب الدول المتقدمة، وهذا ما تعتبره الأغلبية التي أشرت لها مجرد مغالطة كبرى، بل إن جو الحريات واحترام حقوق الإنسان الذي قطع فيه المغرب أشواطا لا ينكره إلا جاحد، قد دفع بعض الأصوات النشاز إلى المجاهرة علنا بما نعتبره فوائد حقيقية سيجنيها المغرب والمغربيات من خلال تقنين الإجهاض، في حين أن القضية ليست بالبساطة التي يصورونها، بل هي على النقيض من ذلك تماما.

س/إذن أنت تنكر أن مناصري تقنين الإجهاض يمثلون تيارا واسعا داخل المجتمع المغربي، فكيف تفسر لنا أنهم هم من أطلقوا شرارة هذا النقاش على قلتهم؟

مثلا في الكلية التي أدرس بها، الأغلبية الساحقة للأساتذة والأطباء لا يؤيدون مبدأ تحرير الإجهاض. والملاحظة نفسها تنصب على باقي الكليات الطبية الأخرى وأطباء القطاعين العام والخاص بالمملكة؛ فالأمر يتعلق بلوبي قليل العدد من الأطباء ممن اعتادوا مثل هذه الممارسة، ويسعون إلى ممارستها الآن تحت حماية القانون، فهم يعرفون أنه حتى إذا تم تقنين الإجهاض، لن يقبل عليه الأطباء الآخرون، فيظلون هم المحتكرين لهذه السوق الطبية. بل وسيستقطبون زبونات جديدات بفعل هذا القانون الذي يأملون صدوره. إنهم يدركون أن النساء لن يقدمن على الخضوع للإجهاض، حتى في حالة تمريره على الملأ وفي هاجرة النهار، لأن هذا لم يحدث بشكل سافر حتى في الدول الغربية، فبالأحرى في دولة كالمغرب يكن فيها الناس احتراما كبيرا لقيم العائلة والمجتمع والدين، وذلك رغم مظاهر التحرر التي قد ينخدع بها البعض، فالإجهاض غير المبرر والعمدي سيظل والحالة هذه، ورغم تقنينه سريا دائما، وستظل المرأة المرشحة للإجهاض تخضع للابتزاز والمساومة. الذي سيتغير فقط هو أن هذا اللوبي سيجني أرباحا طائلة جراء هذه التشريعات دون أن يخشى ملاحقة القانون.

س/لكن ضمن هذا التيار توجد أيضا جمعيات مدنية وسياسيون وعلماء اجتماع…الخ، فكيف تفسرون انضمام هذه الفئات للوبي الذي ذكرت؟ ألا يمكن أن يكونوا أصحاب قضية؟

يجب أن نفرق بين هذا اللوبي الذي يحرك خيوط الدعوة للتبشير بضرورة تقنين الإجهاض، وبين فئة أخرى منبهرة عن حسن نية بنمط الحياة الغربي. فئة لا ترى مانعا في أن يصوغ لنا الغرب، نحن الدول النامية، مفهومنا لحقوق الإنسان كما هي كونيا، فئة تعتقد أن كل ما ينتهي له تطور الحياة هناك في الغرب، يجب أن توضع له ترسانته الحقوقية والقانونية هنا في المغرب أيضا.

بجانب هذه الفئة ذات القناعات الإيديولوجية المنتصرة لحق المرأة في الاختيار على حق الجنين في الحياة، هناك فئة ثالثة يتم تضليلها أو إقناعها عادة بمثل هذه الخطابات التي تعرف كيف توظف الأرقام والبيانات والتصريحات حول بعض مآسي الإجهاض السري وهي نفس الأدبيات التي سبق ومهدت لإباحة الإجهاض في دول أخرى. بالنسبة للوبي الذي أشرت إليه، فمن الواضح أن حيويته نابعة في جزء منها عن أزمة ضمير، لذلك هو يبحث عن شرعية مفقودة لممارسته، حتى ولو زج بالمجتمع كله في نفق نعرف بدايته ولا نتبين نهايته. لوبي يريد من فرط تأنيب الضمير، أن يتساوى الكل أمام الإجهاض ليهون عليه المنحدر السحيق الذي تردى فيه.

س/لكن هناك سياسيين وأحزابا أعلنت تأييدها لمطلب تقنين الإجهاض كحزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والأصالة والمعاصرة. ألا ترون أن هناك شبه توافق بين كل الأحزاب بخصوص هذه المسألة؟

هذا ما يردده أولئك الذين يتصدون للدعوة لتقنين الإجهاض. الذي يقع هو أن هذا التيار يستغل بدهاء تناقضات الحقل السياسي المغربي، والسباق الانتخابي المحموم بين هذه الأحزاب لتمرير هذه التشريعات. أغلب أحزابنا اليوم منشغلة بالاستقطاب على حساب البرامج، لذلك فهي تحاول ترضية ما تعتبره حساسيات بالمجتمع المدني، وقد يصل سعيها في ذلك أحيانا إلى تملقها ونفاقها وتألفها، وربما قد تتناقض هذه الأحزاب حتى مع مرجعيتها في سبيل ذلك. وذلك خوفا من أن يوصم هذا الحزب أو ذاك بالرجعية والتحجر، وبأنه ضد الحداثة والتقدم… ومثل هذا السلوك الحزبي تتداخل فيه حسابات كثيرة وعوامل وطنية وأخرى دولية.

انظر معي، أنه حتى توقيت النقاش حول الإجهاض فيه ابتزاز للمواقف من الأحزاب التي هي على أبواب الانتخابات، مما قد يعرض قضية حساسة كهاته للمزايدة السياسية، في حين أننا نحتاج في هذا السجال إلى نقاش ديني وعلمي بالأساس، بعيدا عن الابتذال السياسي. فقد يسعى كل حزب أن يتفوق على بقية الأحزاب فيما يقدمه من تنازلات، ونكون أمام قانون لا يعكس مصلحة المغاربة بقدر ما يعكس ميزان القوى بين الأحزاب، بينما نحن نود أن نتوصل إلى الحقيقة الشرعية التي يقودنا لها العلم الطبي والاجتهاد الفقهي، القضية أكبر من مجرد توافق بين الأحزاب.

س/لكن حزب العدالة والتنمية ذا المرجعية الإسلامية الذي يقود التحالف الحكومي منخرط أيضا في هذا النقاش، فالدكتور سعد الدين العثماني صرح بأنه ينبغي تقنين الإجهاض وإباحته في حالات الاغتصاب وزنا المحارم والتشوهات الخلقية، ألا يعني هذا أن التوافق حول هذه القضية قد حسم نهائيا؟

الدكتور العثماني له من الذخيرة الفقهية والزاد العلمي والتجربة السياسية ما يؤهله لإثراء نقاش حساس كهذا. وهذه الحالات الثلاث هي الحالات الحصرية والحد الأقصى للنقاش الذي يقبل به المدافعون عن حق الجنين في الحياة. وإن كانت تصريحات ومرافعات بعض مناصري تقنين الإجهاض تشي بأنهم يجعلون من هذه الحالات حصان طروادة فقط ليقتحم الإجهاض قلعة القانون، وبعد ذلك نكون أمام تحرير مقنع للإجهاض بكل بساطة، لذلك لابد من التروي، فالقانون هو مجموعة سيناريوهات يجب أن تكون لنا القدرة على تخيلها قبل وضعه، وأي تعديلات قانونية يجب أن تكون مشتملة على الضمانات التي لن تجعل من الإجهاض غدا عملية مألوفة وروتينية داخل مستشفياتنا ومصحاتنا. والعدالة والتنمية إن كان حزبا ذا مرجعية إسلامية، إلا أنه يظل كغيره من الأحزاب، ولا يغني رأيه أبدا عن رأي المؤسسة الرسمية المؤهلة للإفتاء، وأقصد المجلس العلمي الأعلى وعلماء وفقهاء المملكة، بالطبع إلى جانب رأي الحقوقيين الذين يتميزون بالحياد الحقوقي اللازم.

نعم، استمعنا لرأي د. العثماني، إلا أنه لم يصدر إلى الآن، أي موقف رسمي لهذا الحزب بخصوص هذه الإشكالية. لقد تحدث كيف أن الكلفة الاجتماعية للوضعية الحالية غالية جدا. لكني أرى أن كلفته في حالة تحرير الإجهاض ستكون أغلى. وأود هنا أن أشير إلى أن العلامة مصطفى بنحمزة كان أكثر احتياطا، لكي لا أقول أكثر محافظة، حين دعا إلى مقاربة وقائية وزجرية بالأساس في التعامل مع حالات الاغتصاب وزنا المحارم، كواقع ينبغي الانكباب على علاجه من جذوره لا علاج أعراضه فقط، كما اعتبر إجهاض الأجنة المشوهة خلقيا، مجرد إجهاض ذي خلفية جمالية ومزاجية في أغلب الحالات لا يسوغ وأد الحياة، متحديا كل الأطباء أن يخبروه عن اللحظة التي تبتدئ فيها حياة الجنين مستشهدا بقول الله تعالى «يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيت من العلم إلا قليلا».

س/كيف تتوقعون أن يكون موقف حزب العدالة والتنمية من قضية الإجهاض؟

من المؤكد أن أطر هذا الحزب على دراية كبيرة بالجوانب الفقهية والاجتماعية والاقتصادية والطبية لقضية الإجهاض ومؤهلة لبلورة موقف صائب، وأعتقد أن حزبا ذا مرجعية إسلامية لن ينساق وراء تشريعات غير منسجمة مع ثوابت الأمة، فذلك سيضر بصورته ويبعده عن جذوره الشعبية وقد يفقده هويته، وهذا ما لا يغيب عن بال قادته.

س/ماذا تقترح إذن؟

يجب أن نحتكم للمبدأ الديموقراطي بخصوص هذه القضية. أليست الديمقراطية صلب النظرية العلمانية التي ينهل منها مناصرو الإجهاض؟ فلنطلب إذن رأي الشعب حول هذه المسألة. إني أتساءل دائما لِمَ ركز المناصرون للإجهاض على المؤسسة التشريعية لتحريره وتقنينه، بينما أن قانونا بالشكل الذي يتوخونه، يشكل انقلابا عميقا في ذهنية وثقافة المواطنين، لذا ينبغي سبر آرائهم واستفتائهم فيه؟ لنرى إن كانوا قد «نضجوا» لتقبله، أليس الاستفتاء هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة؟ أليس الاستفتاء ملزما للجميع، لما يصلح هذا الفصل من الدستور إن لم يصلح لهذا؟. ولماذا لم يطالبوا به ويختصروا الطريق علينا، خصوصا وأنه قد رسخ في وعيهم أن تحرير الإجهاض مطلب شعبي. أظن أن المشاورات الواسعة التي يتعين على اللجنة التي أنشأها الملك القيام بها ستتوصل إلى استجلاء الحقيقة العلمية والشرعية والشعبية بعيدا عن المزايدات، وإلى وضع حد لهذا السجال المفتعل، حيث ستكون بمثابة استفتاء مصغر.

س/وإذا كان ذلك في غير صالح الطرف الذي يدافع عن حق الجنين في الحياة؟

لا يمكن أبدا أن يقع هذا فالكل يعرف مسبقا رأي الشعب في مشاريع مجتمعية كهاته. إنه لن يتنكر أبدا لقيمه ومثله حتى ولو ظهر لهم أنه قد حاد عنها في سلوكه اليومي. إنها أقلية كما صرحت لك تريد أن تملي خيارها على الأغلبية، أقلية تتقن تمثيل دور الأغلبية، وتريد هذا القانون اليوم أو غدا. فأحيانا تستطيع الأقليات بشدة صراخها أن تفرض رأيها على الجميع. فبإلحاحها تستغل اطمئنان الأغلبية وتقاعسها. إنها إحدى ثغرات الديموقراطية التمثيلية التي تجعل الأغلبية تعاني أحيانا من تسلط الأقلية.

س/إلى هذا الحد يكتسي موضوع الإجهاض كل هذه الجدية، وتمثل هذه التعديلات لحظة فارقة في حالة اعتمادها في تطور المجتمع؟

نحن في المغرب على غرار بقية دول العالم الإسلامي، قد أصبحنا عاجزين عن الإسهام في النقاش المبلور لحقوق الإنسان كما سيتعارف عليها دوليا بعد ذلك، أصبحنا نتلقى ونستورد المفاهيم فقط، لأننا انهزمنا، وما عدنا ندلي بدلونا في الحضارة العالمية، بل وأدخلوا في روعنا أن هزيمتنا نابعة من الجينوم الحضاري لشعوبنا ولثقافتنا الدينية الاسلامية. لذلك يقترحون لنا أن نستبدل جيناتنا الحضارية بأخرى غريبة عنا، في حين أننا لن نتقدم إلا من خلال انسجام تام مع سياقنا الحضاري. لا خيار لنا غير ذلك لكي نتقدم. فهل رأيتم يوما ما شخصا نجح في أن يتخلص من جيناته؟ علينا أن نترك جيناتنا تعبر عن نفسها. إننا نختلف عن الغرب في الكثير من الأسس والمقومات الحضارية. والموقف من الإجهاض هو إحدى هذه النقاط الخلافية الكبرى معه التي تميزنا وتحفظ هويتنا.

س/إذن في رأيكم لا يتعلق الأمر بقانون عادي كبقية القوانين؟

تقنين الإجهاض ليس كما يتوهم البعض مجرد مجموعة فصول قانونية ينبغي ضخها في التشريع المغربي وكفى، بل إنه سيشكل نقطة تحول فارقة لهوية هذا المجتمع. لذلك شئنا أم أبينا، فإن النقاش حول الإجهاض، يجرنا جرا إلى تذكر ينابيعنا الحضارية الأولى من جديد الى التساؤل حول من نحن؟ ومن نكون؟ وحول هويتنا الحقيقية الخالية من الأصباغ الزائفة. ويجبرنا أن نتساءل عن دورنا ومفهومنا للحياة.

س/سنعود لهذه الحالات لنستقصي رأيك فيها، خصوصا وأنها استأثرت بالنقاش أكثر خلال اللقاء المنظم من طرف وزارة الصحة. يهمنا الآن أن تردوا علميا كطبيب على الدفع القائل بأن الإجهاض هو من قبيل حرية المرأة في التصرف في جسدها. هل تتفقون مع هذا الرأي؟

هذه شعارات براقة يغرفها هؤلاء من قواميس المنظمات الدولية ليخلبوا لب الناس، في حين ولو أنه اتفقنا جدلا مع هذا المبدأ، فإنه لا ينسحب خصوصا على الإجهاض. لأن الجنين بكل بساطة ليس من ضمن جسد المرأة كما يثبت ذلك الطب والعلم معا.

س/كيف ذلك بروفيسور وهو يقبع وينمو بداخل رحم الأم الحامل؟

إن أي إيديولوجيا مهما بلغت صلافتها لا يمكنها تبرير الإجهاض بحرية تصرف المرأة في الجسد فهذه مغالطة كبرى. فالجنين، وإن كان مرتبطا بأمه من ناحية النمو والتغذية، فهو يعيش في شبه انفصال تام عنها. هو ضيف لديها فقط بدليل أن فصيلته الدموية ليست دائما من نفس فصيلتها الدموية. فهل يختلف الجزء عن الكل وبدليل أن يمكنها أيضا تأجير رحمها (علميا) لإنجاب الأطفال ليسوا من صلبها وبدليل أنها أنثى وتلد ذكرا. إن الحمل هو عقد حياة بين الأم وجنينها تلتزم فيه بإيوائه وتغذيته وولادته ثم تربيته وتنشئته.

س/لكن البروفيسور شفيق الشرايبي رئيس الجمعية المغربية لمكافحة الإجهاض السري يؤكد أن حوالي ألف امرأة تخضع يوميا للإجهاض السري. ما ردكم؟ أليس هذا الرقم كافيا لتحرير الإجهاض؟

هذا الرقم مشكوك فيه، فهو يعني أن مدينة من 350 ألف امرأة تجهض سنويا بالمغرب بشكل سري. وهذا إذا صح فهو إدانة صريحة من البروفيسور الشرايبي لمنظومتنا الثقافية والمجتمعية.

فلماذا لم يختر لنفسه جبهة النضال لإصلاح هذه المنظومة الثقافية، واختار الحل السهل? وهذا الرقم إذا كان صحيحا، فإنه يطرح علينا تحدي المقاربة الوقائية أولا. ثم إن وزارة الصحة نفسها لا بيانات ولا أرقام لديها. وعلى افتراض أننا ابتلعنا جميعا هذا الرقم، فذلك ليس مسوغا لتحرير الإجهاض، لأن الأرقام ليست مبررا للتطبيع مع الآفات والظواهر السلبية. هي رصد وتشخيص لحجمها فقط. وليست داعيا لتشريعها. فهل إذا ارتكب 1000 مغربي جنحة السرقة والرشوة يوميا سيكون ذلك أيضا مبررا لإصدار قانون لتحرير الرشوة والسرقة؟ وهل نقنن غدا الدعارة والمثلية الجنسية فقط لأن بعض المغاربة يقبلونها؟ هذا منطق غريب. فهل مهمة القانون هو تقنين الانحرافات إذا تفشت وذاعت بين الناس؟ أم هي إضفاء الطابع الإلزامي على الحقوق التي تستمد مشروعيتها في الأصل من ماهيتها ومن أخلاقيتها ومن تصنيفها خير أو شرا.

فالقانون يجب أن يكون وسيلتنا الجبرية لإصلاح أحوال الناس ومحاربة الأمراض التي تنخر أوصال المجتمع. ليس من مهمات القانون أبدا الاستسلام للأهواء والنزوات و»الصراعات الجديدة» للحقوق التي تتفتق عنها كل يوم مخيلات من احتجزوا الحداثة، وصاروا يحملونها عكس ما تبشر به من اتباع لجادة العقل والعلم. ما يغيب عن عقول مناصري الإجهاض أن المشروعية لا تعني دائما الشرعية. فهناك بون واسع بين المفهومين.

س/لكن البروفيسور الشرايبي يصر على رقم 1000 امرأة تجهض يوميا..

هذا الرقم من مخيلته، ما يهمنا هو نسبة الإجهاض الذي يتم بطرق بدائية. وهذا يتم لأسباب مادية وثقافية واجتماعية لا يسعى البروفيسور الشرايبي ومن يتبنى أطروحته لتغييرها. ربما أنه يستقطب كل حالات الإجهاض الخطيرة في الجهة بعد أن شاع عنه هذا الهوس بقضية الإجهاض، ويعتقد أن كل أستاذ يستقبل عددا مماثلا من الحالات ويقوم بعمليات ضرب غير صحيحة. نحن في مستشفى الولادة بن سينا لا نستقبل مثل هذه الأرقام التي تحدث عنها د. الشرايبي، الذي يغرد وحيدا حتى داخل مستشفى الليمون الذي يعمل فيه. إذ لا يتبنى رأيه أي أستاذ من وحدة أمراض النساء والولادة بالكلية.

س/بالمناسبة، ما رأيكم في إقالته بسبب برنامج القناة الفرنسية الثانية؟

د. الشرايبي طبيب كفؤ، إلا أنه يغالي ويزايد في قضية الإجهاض، ودوافعه في الكلام هي إيديولوجية أكثر منها طبية. وقد تحول إلى عراب للوبي يستفيد من ريع الإجهاض، وإلى أرنب سباق للجهات المعلومة في هذه المسألة. إقالته في رأيي قدمت خدمة له، لأنها خلصته من تجاهل الناس لدعوته وعدم اكتراثهم بها. ونفعته لكي يظهر في صورة المُضْطَهد الذي يناضل لغاية ما، وهذا ما قد ينطلي على البعض. لذلك أرجو أن نركز على مضمون أطروحته.

س/لكن ألا ترون أن تقنين الإجهاض سينزع عنه كمرحلة أولى طابع السرية؟ وسيجعل هذه الممارسة بعد ذلك مقبولة ومألوفة من طرف المجتمع؟

حتى لو تم تحرير الإجهاض، فسيظل محافظا على طبيعته الجرمية واللاأخلاقية. فقانونية الفعل أمر، وكنهه وحقيقته أمر آخر. إن تقنين الإجهاض لن يجعل منه ممارسة مقبولة، ولن يجعله يجري في واضحة النهار. كل إجهاض عمدي دون مبرر شرعي، قانونيا أو غير قانوني، هو دائما إجهاض سري. هو سر يكتمه الطبيب والحامل وبقية الأطراف المعنية، لأن إيمان الطبيب والمريضة بشرعية الخدمة الطبية وأخلاقيتها، وهل تدخل في خانة الحلال أم تندرج في خانة الحرام، هو ما يرفع عنها طابع السرية. فهل يعتقد المناصرون للإجهاض أنه إذا تم تحريره سيقوم أب في الغد الذي يليه باصطحاب ابنته لأجل إجراء إجهاض أو أن امرأة أجهضت عمدا سيعودها الناس والأقارب، كما هو الحال لو خضعت لعملية استئصال المرارة أو الزائدة الدودية؟

س/استنادا إلى كل ما ذكرتم فهل هذا الأمر يظل ممكنا في المستقبل؟

يتطلب حصول هذا التحول شعبا آخر غير الشعب المغربي، فقناعات أخرى لن تجد تربتها في بلادنا، بل يستدعي انسلاخا حضاريا كاملا. كل ما سيقع هو أن أطباء يقتاتون من الإجهاض سيصبحون بمنآى عن المساءلة القانونية عن اقترافهم لفعل لاأخلاقي يتنافى وقسم «أبوقراط»، الذي يؤكد على ضرورة احترام الحياة في كل مراحلها، وسيصبح بإمكان أي فتاة أن تجهض دون علم من عائلتها. أي أننا سنؤسس مجتمعا جديدا مغايرا تماما.

س/نريد الآن أن نناقش الحالات الثلاث التي ركز عليها لقاء وزارة الصحة، ما رأيك أولا في إجهاض حالات الاغتصاب وزنا المحارم؟

هناك من يرى أنه إذا أبيح الإجهاض في مثل هذه الحالات سيعاقب الطرف البريء، ويخلى سبيل الطرف المذنب بسبب محو نتيجة وأثر الجرم. والله تعالى يقول: {ولا تزر وازرة وزر أخرى}. كما أن ذلك قد يزيد حالات الاغتصاب ارتفاعا. ما دام الإجهاض متاحا. ثم أن هناك صعوبة تحديد حالات الاغتصاب خصوصا إذا اتخذ ادعاء الاغتصاب ذريعة قصد الخضوع للإجهاض، وتم إدراج كل حالات الحمل غير الشرعي في هذه الخانة، حتى عندما يكون ناجما عن علاقة غير شرعية لا غير. فكل من تريد الإجهاض ستقول إنها كانت ضحية اغتصاب. وغدا إذا تم تقنين الاغتصاب بين الزوجين كما تسعى إلى ذلك بعض المنظمات سيصبح من القانوني إجهاض الأجنة في إطار مؤسسة الزواج بدعوى الاغتصاب. إنها متوالية هندسية رهيبة من القوانين لا ندري إلى أين ستقودنا.

وكذلك في حالات الاغتصاب ستطرح إشكالية الإجهاض في وقت مبكر، فإثبات الاغتصاب الذي تترتب عنه جزاءات قانونية قاسية يتطلب مساطر قانونية معقدة، والحمل لا ينتظر بل يتطور، فكيف يمكن تنظيم وتنسيق كل هذه الأمور؟ وما هي تكلفة كل هذا؟. ما سيقع هو أنه سيتم إجهاض من اغتصبت وهي حالات قليلة وإجهاض من أقامت علاقة برضاها، ولهذا ينبغي تغليب المقاربة الوقائية لا غير.

س/كيف ذلك؟

من خلال الغوص في عمق الإشكالية، وعلاج أسبابها من الجذور، عوض البحث عن الحل السهل الذي هو الإجهاض. هذا حل لا إبداع فيه ولا مجهودا قد تم بذله. إنه يساهم في ترك الحبل على الغارب دون البحث عن المشاكل الحقيقية التي تقود نحو هذه الأوضاع. الإجهاض ليس حقا من حقوق الإنسان حتى نقننه. حري بنا أمام هذه الظاهرة أن نتساءل أين الخلل؟. بل ويجدر بنا أن نعيد فحص نظامنا التعليمي والتربوي والاجتماعي والقيمي والأخلاقي من جديد. هذه الحوامل غير المرغوب فيها هي جرس الإنذار الذي يشي باختلالات فينا ينبغي معالجتها. علينا أن نبحث في مثل هذه الأحوال إن كان المسجد والمدرسة والتلفزة والأسرة والشارع يلعبون إلى الآن دورهم الكامل في تربية وإعداد النشء الصالح للأمة. علينا أن نفحص كذلك، إن كان نظامنا الاقتصادي يحقق العدالة الاجتماعية ويدفع عن النساء غائلة الإملاق والتشرد والضياع أم لا؟، فتلك هي العوامل الضرورية التي تمهد من وراء الستار لكل إشكاليات الحمل غير المرغوب فيه. ومع ذلك فأنا مع الاجتهاد وفق ضوابط الفقه الإسلامي بخصوص هذه الحالات.

س/فيما يخص التشوهات الخلقية بروفيسور، هل يكون من الملائم السماح بالإجهاض؟

إن الإجهاض بسبب تشوه لدى الجنين يقتل حاسة البحث العلمي في المجال الطبي. فليست كل التشوهات قاتلة للجنين أو للمولود الجديد. بل أغلبها قابلة للعلاج، وبعضها يمكن علاجه داخل الرحم. فلو فكر الأطباء بهذه الطريقة دائما لما تقدمنا أبدا في المجال الطبي. إن تنحي المشكلة بدلا من حلها أو بدلا من علاجها، هذا ليس طبا. فأي كان يمكنه أن يقترح مثل هذا الحل. وأستسمح إذا صورت الأمر بطريقة كاريكاتورية بعض الشيء. يشبه هذا التصرف تلميذا واجه أسئلة صعبة في الامتحان، فلم يعمل ذهنه ومزق ورقة الأسئلة. وادعى أنه نجح في الامتحان بما أن ورقة الأسئلة مزقت!

إن فتح هذا الباب على مصراعيه قد يؤدي إلى المبالغة في قتل الأجنة، وأحيانا كثيرة بسبب الظن أو شبهة التشوه فقط. هذا يقتضي تجهيز المستشفيات أولا بالوسائل الآلية والمخبرية للتأكد من أن الجنين مصاب بأمراض جينية غير قابلة للعلاج. وهناك الكثير من النساء دفع أطباؤهم بأن الجنين سيولد مشوها ومريضا بسبب إصابتهم بأمراض طفيلية، لكنه ولد سليما معافي. ثم إن النساء يختلفن في درجة استعدادهن لتقبل التشوهات الخلقية للجنين. فهناك من تتقبل تشوها خلقيا كبيرا وتعتبره قضاء وقدرا وتتشبث بجنينها. وهناك من لا تتقبل ولو عيبا خلقيا بسيطا لن يؤثر على صحة جنينها، وستسعى للإجهاض. وهذا ما أشار إليه العلامة مصطفى بنحمزة من أن الإجهاض بسبب التشوهات الخلقية، هو في أغلبه لدواعي جمالية ومزاجية لا غير. ونحن نواجه في حياتنا المهنية كل هذه المواقف. ثم كيف نؤصل فقهيا ودينيا وفلسفيا لسلطة الطبيب والأم في أن يقررا بقاء هذا الجنين وإسقاط ذاك؟ ثم من يضمن أن لا يمتد هذا التطرف الفكري إلى المطالبة غدا بتنحية كل الأشخاص غير الأسوياء بدعوى أنهم يشكلون عالة على أسرهم والمجتمع؟ كما أن هذه الممارسة ستمهد الطريق للمطالبة غدا بتشريع القتل الرحيم داخل المستشفيات. وهذا مرفوض أيضا.

س/كيف تتعاملون إذن على أرض الواقع مع مشكلة التشوهات الخلقية الآن؟

الغالبية العظمى لعيوب التكوين الخلقية من مثل التكرار غير الصحيح للصبغيات تسقط من خلال إجهاض تلقائي ولا تطرح مشكلة. ما أفلت من هذه التشوهات الخلقية، ينقسم إلى عيوب خلقية قابلة للعلاج، فنقوم بإعلام المرأة بمشكلة جنينها من خلال شرح وافي ومبسط، ونقدم لها دعما نفسيا، حتى لا نزج بها في دوامة الوساوس والكوابيس. ثم نرشدها إلى المصالح التي ستعالج مولودها بعد الولادة، وقد نربط لها الاتصال بهذه المصالح خلال الحمل. وهناك العيوب الخلقية التي تجعل الجنين غير قابل للحياة. في هذه الحالة نعلم الزوجين بحالة جنينهما، وبأنه غير قابل للحياة بعد الولادة، هنا تنقسم المواقف: فهنالك من الأطباء والحوامل من لا يرى فائدة في استمرار الحمل ويطلب الإجهاض. وهناك من ينتظر حلول موعد الولادة دون أن يتدخل من خلال إجهاض عمدي: بالنسبة لي أتصرف وفق الطريقة الثانية، حيث أقدم شروحات وافية وأساعد الحامل على تقبل الوضع وانتظار الولادة ولا أتدخل إلا في حالة ما إذا ظهر بأن هذا الحمل قد أخذ يشكل خطرا جديا وحقيقيا على صحة الأم. وقد اجتزنا كل مدة الحمل بأمهات حوامل بأجنة بدون دماغ وكن سعيدات، لأنهن لم يجهضن. وهكذا، تتعود الحامل ومحيطها وكذا الطبيب على عدم الاستخفاف بالحق في الحياة. أما بالنسبة للأطفال المنغوليين فأغلب النساء يردن دائما الاحتفاظ بأجنتهن. هذا ما نلمسه على أرض الواقع.

س/أظن أنكم على الأقل تتفقون على إجهاض الجنين إذا كان استمرار الحمل يهدد صحة الحامل؟

نعم وهذا معمول به في المغرب، كلما شكل الحمل خطرا داهما وحقيقيا وليس مفترضا، يهدد حياة أو صحة الحامل بمضاعفات خطيرة نلجأ لإجهاض الجنين في اقتناع تام بصواب القرار، وذلك بعد تروي وتشاور بين الأطباء. وقد نرشد المرأة لوسيلة نهائية من وسائل منع الحمل إذا كان ذلك سيتكرر مستقبلا. هنا يتشبث مناصرو الإجهاض بأن الصحة التامة تعني الصحة الجسدية والنفسية والاجتماعية. وهذا تعريف منظمة الصحة العامة. ويتوسعون في الأخذ بمفهوم الصحة النفسية والاجتماعية. فإذا صرحت الحامل بأنها غير مستعدة نفسيا للحمل أو أن ظروفها الاجتماعية غير مناسبة يمكن إجهاضها في رأيهم. إنه إذا طبقنا هذه المفاهيم الفضفاضة، سنكون بكل بساطة أمام تحرير الإجهاض لكل النساء وهذا أمر خطير جدا.

س/هل أنت ضد التعريف الذي تعطيه منظمة الصحة لمفهوم الصحة؟

لا، أبدا هم من يقولون كلمة حق يريدون بها باطلا. منظمة الصحة تتحدث عن الصحة التامة، في حين أن الحمل لا يندرج في إطار الصحة التامة. هو حالة بين المرض والصحة التامة، منزلة بين المنزلتين. إن الحمل يفرض أعباء جديدة على جسد المرأة، وترافقه تغيرات هرمونية ونفسية ومزاجية معروفة منذ الأزل. ولذلك عندما نتحدث عن مفهوم الصحة التامة يجب أن نستثني الحمل، إذ لا يمكن تصور الحمل دون أعباء عضوية ونفسية واجتماعية. هو بطبيعته ليس صحة تامة. وهذا ما أشار إليه الله تعالى حيث قال في كتابه الكريم «ووصينا الانسان بأمه حملته كرها على كره وفصاله في عامين». في هذه الحالة عندما تكون المرأة متأففة نفسيا من الحمل يكون كل الرهان على الطبيب، فإذا كان من حظها أن الطبيب ممن يقدسون حق الجنين في الحياة فإنه يقنعها بالاحتفاظ به. وإن كان مستهترا بهذا الحق فإنه يُهَون عليها فعلتها. بالنسبة لي أفحصها بالصدى وأجعلها ترى خفقان قلب جنينها. وأسألها إن كانت تريد وأد جنين يخفق قلبه؟ فالأكيد أن كلهن يتراجعن بنسبة 100%، ولك أن تتصور فرحتهن بعد الولادة.

س/بعض الفقهاء يفتون بجواز الإجهاض دينيا، حيث نرى كثيرا من الخرجات بخصوص هذا الموضوع. كيف ترون مساهمة رجال الفقه في إثراء النقاش حول هذا الموضوع؟

نعم هناك تراث فقهي إسلامي كبير بخصوص الإجهاض وبعض رجال الفقه الإسلامي يجيزونه من خلال الاجتهاد بشروط. باب الإجهاض ليس مواربا أو مغلقا تماما إلا إذا كان ديننا غير رحيم بالناس «وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين».

لكن المدافعين عن تحرير الإجهاض يسعون إلى خطب ود بعض الفقهاء وعلماء الدين. ويستصدرون منهم فتاوى كأن يستدعونهم لمؤتمراتهم، ويركزون على صورتهم في وسائل الإعلام وبجانبهم الفقيه دون مضمون كلامه. إلا أنني أعتقد أن الفتاوى لا تطلب هكذا على مرأى ومسمع من الجميع خلال ندوات تنظمها الجمعيات الداعية للإجهاض. حيث قد لا ينجو الفقيه من الضغط والتدليس العلمي. ونظن أيضا أنها لا يجب أن تُطلب من الفقهاء الذين يبحثون عن الإثارة والنجومية، والذين قد يسايرون بعض الأهواء، لكي لا يتهموا فقط بالتحجر والمحافظة، وليبدوا فقهاء عصريين متحضرين لا يقفون «ضد العلم» أي علمهم هم، ما ينبغي القيام به، هو أن يعطي العلماء رأيهم في حياد واستقلال تام، بعيدا عن صخب المؤتمرات والندوات العلمية المتسرعة، ويجب أن ينبثق هذا الاجتهاد عن المؤسسات المخول لها ذلك كالمجلس العلمي الأعلى. كما أنه يجب أن لا نجتهد بمعزل عن ما يجري من نقاش وبحث مستفيض بالمجمعات الفقهية ودور الإفتاء الإسلامية الأخرى. فالقضية واحدة والحلول الفقهية يجب أن تكون موحدة وشاملة لكل العالم الإسلامي.

س/ماذا عن تجربة تونس؟ لقد أكد البروفيسور الشرايبي أن عدد حالات الإجهاض يقل بـ20 مرة عن حالاته بالمغرب؟

ربما هو ليس له علم بالقاعدة الفقهية التي تقول: «لا قياس مع وجود الفارق». إحصائياتنا كما يصرح هو نفسه غير مؤكدة فكيف يسمح لنفسه بمثل هذه المقارنة؟. هذا كلام شعبوي للاستهلاك فقط. ثم لماذا نستحضر تونس؟ وكلنا يعرف تونس بورقيبة وما آلت إليه. فهل تجربة تونس تغني عن باقي تجارب الدول المسلمة الأخرى؟ وهل تجتهد دولة واحدة كتونس نيابة عن الجميع، ونكتفي نحن بالتقليد لها؟ لابد من إجماع حول الشروط الشرعية والقانونية للإجهاض من خلال الاجتهاد الذي لا يحابي جمعية أو غيرها ودون ضغط ما. فبهذا تطمئن القلوب.

س/سبق لكم أن أثرتم أن الخطاب الحقوقي للجمعيات المدافعة عن الإجهاض حافل بالتناقضات. فهلا بينتم للقراء ذلك؟

ما يستفز المرء أساسا في خطاب دعاة الإجهاض، كيلهم بمكيالين حين يربطون دسترة الحق في الحياة بإلغاء الإعدام وليس بالحفاظ على حياة الجنين. فيطالبون بالحياة لعتاة المجرمين. ولا يرون أن الدستور قد منع نهائيا كل محاولة لتحرير الإجهاض بدسترته للحق في الحياة. فيريدون الإجهاز على جنين بريء وضعيف من الواجب أن يكون هو الأولى بالحماية في رحم أمه، وحتى إن كان هناك اختلاف حول الشخصية القانونية للجنين في مراحله الأولى، هل هو كائن أم مجرد خلايا؟ فإنه لا أحد ينكر أن الحياة، وهو ما قصده الدستور تنبجس بمجرد اتحاد الخلايا الجنسية للرجل والمرأة لحظة الإخصاب، أي في تلك الساعات الأولى للحمل حين يكون الأمر مجهريا.

والدستور قال بالحفاظ على الحياة، ألا يستحق هذا الجنين أن يناضلوا من أجل حياته؟، هم الذين أطنبوا وتفننوا في ابتداع أجيال جديدة من الحقوق كالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية والجنسية وهلم جرا، ولم يمتد تكلفهم الحقوقي في هذا إلى الدفاع عن حق الجنين في الحياة طبقا للدستور.

س/ما هو في رأيكم التوجه العام لأطباء النساء والتوليد بخصوص قضية الإجهاض؟

يحرص الداعون لتحرير الإجهاض على ضم بعض أطباء النساء والولادة لجمعياتهم، لتوظيفهم كشهود يستصدرون بهم هذا القانون ولإضفاء نوع من الشرعية العلمية المفقودة لمطلبهم. إلا أن الأغلبية الساحقة منهم بمن فيهم أولئك الذين يمارسونه داخل عياداتهم لا يتبنون موقفا مدافعا عن الإجهاض. بل إن هؤلاء الأطباء يلجؤون للتخصص في الإجهاض لأنهم لا يستطيعون تخصصا غيره ولأنهم يبحثون عن الربح السريع ثم إنهم ينتهون دائما في آخر مسارهم إلى الإقلاع عن هذه الممارسة، بسبب وخز الضمير والعذاب النفسي الذي يرافقها. وبسبب وقوفهم عن كثب على همجيتها ووحشيتها ولاإنسانيتها ومضاعفاتها الخطيرة.

س/هل لكم علم برأي الهيئة الوطنية للأطباء بخصوص هذه المسألة؟

الدكتور الحسين المعوني، رئيس الهيئة كان دائما واضحا. فالقانون المنظم للهيئة يحظر عليها الدخول في نقاشات ذات اعتبارات دينية وسياسية. يبقى مجال الحوار مفتوحا إذن داخل الجمعيات الطبية والعلمية. وفي كل الأوساط الدينية والسياسية والحقوقية… إلخ.

س/ما رأيك في إجهاض الحامل التي يفوق سنها 45 سنة ولها أولاد، كما يدعو إلى ذلك البروفيسور الشرايبي؟

مثل فلتات اللسان هاته هي التي تظهر أن مقولة محاربة الإجهاض السري، التي يتقنع بها هؤلاء ما هي إلا ستار يخفي الهدف البعيد الذي هو إباحة الإجهاض لكل من ترغب فيه: اليوم يتحدثون عن عتبة 45 سنة ثم بعد سنة سيقولون بـ40 سنة، وهكذا ذواليك حتى نجد أنفسنا واقعيا أمام 26 و20 سنة وإجهاض التلميذة والقاصر…إلخ حتى يتعود الناس وقد قال الشاعر قديما: لكل امرء من دهره ما تعودا…

لماذا 45 سنة؟ لأنه يعتقد أن هذه المرأة لم تبرمج حملها. أو أنها خدعت بسبب انقطاع العادة الشهرية التي قد تكون فسرتها بحلول سن اليأس. ولأنه يعتبرها امرأة مسنة لا تستطيع التكفل بالطفل المقبل. وبما أن نسبة التشوهات ترتفع بارتفاع سن المرأة فقد أعطى الضوء الأخير لإسقاط كل هؤلاء الأجنة بشبهة التشوه فقط وللعوامل التي ذكرنا. هذا هراء وهذيان، خصوصا وأننا غالبا ما نشخص الحمل متقدما عند أولئك النساء بالصدفة، بسبب اعتقادهن أنهن ركن إلى اليأس. والإجهاض ليس وسيلة من وسائل منع الحمل. نفس البروفيسور إذا استدعته جمعية نسائية لمحاضرة حول سن اليأس لَصَرَّحَ بالحقيقة العلمية، وهي أن المرأة في سن 45 سنة مازالت في ريعان الشباب و قادرة على العطاء والتكفل بنفسها وبغيرها ولمدة 30 سنة أخرى.

ثم إنه يمنحها الحق في أن تجهض أو لا داخل المستشفيات العمومية، كأن الأطباء هم رهن إشارة هذه المرأة. فأينما كانت رغبتها يكون الرأي الطبي؟. وكأنما الطبيب قد عاد بائع خدمات لا صاحب رسالة نبيلة تقدس الحياة وترتقي بالكرامة الإنسانية؟. إني أتساءل، هل تمت استشارة الجسم الطبي قبل بلورة مثل هذه الاقتراحات الغريبة؟. وأتساءل هل يعتقد المسؤولون أن البروفيسور الشرايبي يمثل لوحده الرأي العلمي في هذه المسألة. إنه لا ينطق علميا بل ينطق إيديولوجيا. إذا فتحنا هذا الباب فلن يغلق أبدا، إذ لماذا نستجيب لمن يفوق سنها 45 سنة ونغفل طلب أخرى ذات 20 أو 26 سنة لم تبرمج حملها كذلك. عندما تتكافأ الظروف والدواعي، يجب أن نحظى بنفس المعاملة القانونية. لذا سيصبح لزاما إجهاض كل من ادعت أن حملها غير مبرمج. وإن كل هذا رهيب جدا لأنه يؤدي إلى تسليع الإنسان.

س/هل الإجهاض الذي يجري في وسط طبي يكون آمنا وخاليا من المضاعفات؟

هذا الإجهاض يسمى عمديا. وهو على عكس الإجهاض التلقائي يكون إراديا ولأسباب غير طبية، ورغم أن عددا من الدول أدمجته في قوانينها، فإن ذلك لم يسهم في تغيير النظرة إليه وتطهيره في عيون الناس.

يتم هذا الإجهاض دوائيا من خلال تناول بعض العقاقير تستحث النزيف للفظ الجنين خارج الرحم، أو جراحيا من خلال تقنية الشفط أو كحت الرحم. حيث يتم أحيانا تقطيع الجنين بالملقاط وقلبه ينبض بالحياة. والداعون للإجهاض الإرادي يغفلون الحديث للناس عن المضاعفات الخطيرة لهذه الممارسة على الصحة النفسية، والعضوية للمرأة حيث قد يؤدي للوفاة بسبب النزيف الحاد أو بسبب عواقب التخدير، وإلى حدوث أضرار بليغة بالجهاز التناسلي للمرأة، كتوسع عنق الرحم، والتصاقات الرحم، وانسداد قنوات فالوب، مما يودي بخضوبة المرأة نهائيا. وهذه الحالات نعانيها في المستشفيات يوميا لدى نساء خضعن لإجهاض عمدي داخل العيادات والمصحات. بل هناك من الأزواج من قاموا بعملية إجهاض واحدة فقط، ثم لما قرروا الإنجاب لم يتمكنوا من ذلك رغم إنفاقهم لأموال طائلة لدى عيادات الإنجاب المدعوم طبيا.

س/هل هناك مضاعفات نفسية للإجهاض العمدي؟

من خلال التجربة، نلاحظ أن المرأة لا تتقبل نفسيا حتى الإجهاض التلقائي أو موت الجنين الذي يحدث قضاء وقدرا. تظهر عليهن علامات توتر وحزن واكتئاب، فكيف يكون حالهن عندما يكن هن من برمجن موت الجنين، وسعين للإجهاض العمدي، سواء بوجود قانون أو بدونه، المؤكد أنهن يعشن صدمة نفسية مضاعفة، قد تمتد لسنوات، وذلك على شكل اضطرابات مختلفة. فقد تشعر المرأة باللاجدوى وبالفراغ القاتل. وقد تهتز ثقتها ونظرتها كثيرا إلى نفسها. وهذه المشاعر قد تنعكس سلبا على محيط المرأة حيث تصيب عدواها الزوج والأطفال.

لذلك فأغلب النساء يتحولن إلى رافضات للإجهاض فور إجرائه. ويحكين عنه فيما بعد ذلك بوصفه تراجيديا. فعقدة الذنب تظل تقطعهن كالسكين من الداخل، بل إن إحدى المجهضات صرحت: «لقد ظللت أبكي طفلي الذي أجهضت كل ليلة لمدة 30 سنة. وإذا كنت أتمنى أن تعود عقارب الساعة للوراء فلكي أحصل على ذاك الطفل من جديد».

س/إذن أنتم ضد قيام المستشفيات العمومية بعمليات الإجهاض؟

للمستشفيات العمومية هموم وشجون أخرى أين منها الإجهاض الذي يريد البروفيسور الشرايبي إضافته لمهامها. مهمة المستشفيات العمومية الحفاظ على الحياة لا وأدها. فهل يعتقد الداعون للإجهاض أن الأطباء سينخرطون وسيؤيدون مثل هذه الممارسة بمجرد تقنينها. الأمر يتعلق بقناعات تدور حول معنى الحياة والكون ودور الإنسان.

والأطباء وخصوصا أطباء النساء والولادة الذين يعاينون معجزة الحياة كل يوم، لهم أيضا مشاعر إنسانية وقلوب وقناعات. ليسوا بآلات يمكن أن تضغط على أزرارها لتشتغل. وحتى في الدول العلمانية التي شرعت الإجهاض تترك للطبيب حق رفض إجراء الإجهاض إذا أراد. حتى إذا فعلنا نفس الشيء تصوروا معي أي متاهات سنزج فيها مستشفياتنا؟، طبيب يقبل بإجراء الإجهاض، وآخر ينظر إليه بعين الريبة، وعلى أنه قد حاد عن رسالة الطب. جمعيات وجمعيات مضادة. اصطفاف وانقسام حاد، وأجواء مشحونة طبيا ليس فقط داخل المستشفى، بل حتى في المحيط الحضري الذي يتنفس فيه هذا المستشفى. أي صورة تبقى لهذا المستشفى؟ فمن جهة يأتيه الناس تشبثا بالحياة، ومن جهة أخرى يتم فيه وأد الحياة. لا أريد التفكير كثيرا في مثل هذه السيناريوهات، إنها سيناريوهات مرعبة ومقرفة.

هناك مخططون دوليون يدربون هؤلاء الأتباع بكل الأصقاع على المرافعة لأجل الإجهاض

س/هل يمكنكم أن تفككوا لنا عناصر الخطاب المناصر للإجهاض وبناءه النظري، وكذا أهم ملامح استراتيجية هذا التيار في الترويج لأطروحته؟

هذا سؤال مهم، فالداعون للإجهاض من كل دول العالم ينهجون نفس الاستراتيجية لاستصدار قانون يسمح بالإجهاض لكل من ترغب فيه من مواطناتهم. يشرعون أولا فيما يعتبرونه تحسيسا للرأي العام، من خلال حالات اجتماعية معزولة تستدعي الشفقة والتعاطف ينتقونها بحرفية بالغة، ثم يرددون بعد ذلك بعض الأرقام التي تشير إلى هول الظاهرة وإلى تفاقمها، ليصوروا الإجهاض في عيون عامة الناس ولدى دوائر القرار السياسي وكأنه مطلب شعبي ملح، لا مناص من الرضوخ له، وبالتالي استعجالية تعديل القوانين الوطنية، وغالبا ما يطلقون تصريحات تمويهية وإشارات طمأنة خادعة لمن يعتبرونهم جيوب مقاومة، كأن يرددوا مثلا أنهم يحاربون الإجهاض السري فقط، وهذا ما يقع الآن في المغرب، ثم يقومون بالمطالبة بتشريع وطني عبر إثارة نقاش عمومي يتحكمون جيدا في فضاءاته وخيوطه. إنها نفس الحكاية تتكرر من بلد لبلد، بل هناك تنسيق عابر للقارات بخصوص هذه المسألة وهناك مخططون دوليون يدربون هؤلاء الأتباع بكل الأصقاع على المرافعة لأجل الإجهاض.

س/إذن في رأيكم هذا هو نفس السيناريو الذي يتم تنفيذه بالمغرب؟

نعم فالدعوة لتقنين الإجهاض وتحريره بدأت منذ ما يربو على 6 سنوات، وهي تستنسخ نفس الأسلوب. تعتمد على التكرار والإلحاح واستثمار بعض المآسي الخاصة والتي لا ننكر وجودها أيضا استدرارا لعطف الناس ثم بدأت تُضخم الإحصائيات التي هي من وحي الخيال وتنفخها فمن 400 إلى 600 إلى 1000 حالة يوميا ثم بدأت من خلال ترويج هذه الأرقام ترفع تكتيكيا من سقف المطالب شيئا فشيئا. وهي تخفي مرماها البعيد الاستراتيجي الذي هو إباحة الإجهاض، أو تعلنه عاريا أحيانا حسب تقلبات الطقس السياسي والمجتمعي ونوع المخاطبين. وقد لمسنا كيف تصوغ هذه الدعوة أحيانا أهدافا مرحلية يكون قبولها ممكنا. كأن تدفع بكونها تدعو لتحرير الإجهاض لمناهضة الإجهاض السري فقط. وأنها تريد موازاة مع تحريره تعميم الثقافة والتربية الجنسية على الشبان والشابات للوقاية من الإجهاض. وأنها مع الإجهاض فقط في بعض الحالات المعدودة كالاغتصاب وزنا المحارم وتشوه الجنين وحين تكون صحة المرأة في خطر. دون أن ينسى هؤلاء أن يدسوا الوضعية النفسية وحتى الاجتماعية للمرأة ضمن لائحة هذه الأخطار، مع ما يحتمله ذلك من تأويلات فضفاضة، تجعلنا في النهاية وبكل بساطة أمام تشريع الإجهاض العمدي وإباحته.

حوار جريدة”الأخبار” بتاريخ 23مارس2015 عدد723

عن الكاتب

صحفي

تاونات جريدة إلكترونية إخبارية شاملة مستقلة تهتم بالشأن المحلي بإقليم تاونات وبأخبار بنات وأبناء الأقليم في جميع المجالات داخل الوطن وخارجه.

عدد المقالات : 5472

اكتب تعليق

لابد من تسجيل الدخول لكتابة تعليق.

2014 Powered By Wordpress, By MinِCom -- Copyright © All Rights Reserved - Taounate.Net

الصعود لأعلى