إدريس المزياتي-متابعة:”تاونات نت”//– أكدت الأستاذة الجامعية للتاريخ الحديث بالرباط الدكتورة نزهة كرامة الإدريسي، رئيسة جمعية “كرامتي للأبد”، وعضو منتدى كفاءات إقليم تاونات “أن المقابر في المغرب ليست مجرد فضاءات لدفن الموتى، وإنما تمثل رصيداً حضارياً وذاكرة جماعية تعكس تطور المجتمع المغربي وقيمه الدينية والإنسانية عبر العصور، وذلك خلال مداخلة قدمتها في الندوة العلمية التي احتضنها المركز الثقافي إكليل بمدينة الرباط تحت عنوان “تاريخ المقابر في المغرب: بين المقدس والذاكرة والعمران“ وبمشاركة كذلك الأستاذ الجامعي محمد حمام.
وأوضحت المتدخلة الإدريسي أن المقبرة المغربية تشكل مرآة صادقة لتاريخ البلاد وتنوعها الثقافي والديني، معتبرة أن احترام المقابر هو في جوهره احترام للهوية الوطنية وللذاكرة الجماعية، وهو ما تعمل جمعية “كرامتي للأبد” على ترسيخه من خلال أنشطتها التوعوية والتحسيسية.
من عبادة الأسلاف إلى قدسية الدفن الإسلامي
استعرضت الأستاذة نزهة كرامة الإدريسي المراحل التاريخية الكبرى التي مرت بها المقابر في المغرب، مشيرة إلى أن المرحلة الأولى تعود إلى ما قبل الإسلام، حيث كان الأمازيغ يدفنون موتاهم داخل الأضرحة الحجرية المعروفة بـ”الدولمن”، والتي ما تزال آثارها قائمة بمنطقة مزورة قرب أصيلة، ويعود تاريخها إلى حوالي ثلاثة آلاف سنة.
وأضافت أن القبر في تلك الحقبة لم يكن مجرد مكان للدفن، بل فضاءً يحفظ ذاكرة القبيلة، حيث كانت تقدم القرابين للأجداد اعتقاداً بأن احترامهم يجلب البركة ويحافظ على تماسك الجماعة.
أما مع دخول الإسلام، فقد عرف نظام الدفن تحولاً عميقاً استند إلى مبادئ الفقه المالكي الذي أصبح يؤطر الممارسة الجنائزية بالمغرب إلى اليوم، حيث يقوم على ثلاثة أسس رئيسية هي البساطة في بناء القبور والاكتفاء بالشاهد أو الحجر للتعريف بالميت، والمساواة بين جميع الناس في الموت دون تمييز بين غني وفقير، إضافة إلى ظاهرة الدفن بجوار الأولياء والصالحين طلباً للبركة، وهو ما يفسر نشأة العديد من المقابر التاريخية بمحاذاة الزوايا والأضرحة.
وفي هذا السياق، توقفت عند عدد من المقابر التاريخية التي تشكل جزءاً من الذاكرة المغربية، من بينها مقبرة باب غيسة بمدينة فاس التي تضم رفات علماء وفقهاء منذ قرون، ومقبرة سيدي بوقبر بمدينة سلا، فضلاً عن مقابر الشهداء التي تؤرخ لتضحيات الحركة الوطنية والمقاومة.
المقابر… شاهد على التعايش الديني في عهد الحماية
وفي حديثها عن فترة الحماية الفرنسية والإسبانية (1912-1956)، أبرزت رئيسة جمعية “كرامتي للأبد” الإدريسي “أن المغرب شكل نموذجاً للتعايش بين مختلف الديانات، وهو ما تجسد في وجود مقابر إسلامية ويهودية ومسيحية متجاورة في عدد من المدن.
وأوضحت أن المقابر الإسلامية كانت تشرف عليها وزارة الأوقاف، في حين حافظت المقابر اليهودية، المعروفة بـ”بيت حاييم”، على خصوصياتها المعمارية والنقوش العبرية، كما هو الشأن في طنجة وفاس والدار البيضاء، إلى جانب المقابر المسيحية والأوروبية، ومن أبرزها المقبرة الإنجليزية والمقبرة الكاثوليكية بمنطقة مالاباطا في طنجة.
وأضافت أن الظهير المنظم للأحباس الصادر سنة 1914 أسهم في حماية المقابر قانونياً، باعتبارها أملاكاً محبسة غير قابلة للبيع أو البناء أو التفويت، وهو ما عزز مكانتها باعتبارها فضاءات ذات قدسية خاصة.
تحديات الحاضر بين التوسع العمراني وصون الكرامة
وفي معرض حديثها عن واقع المقابر في المغرب اليوم، أشارت الأستاذة نزهة كرامة الإدريسي إلى أن هذا المرفق يواجه تحديات متزايدة، أبرزها الاكتظاظ داخل عدد من المقابر، والحاجة إلى إحداث مدافن جديدة تستجيب للنمو الديمغرافي، فضلاً عن ضرورة تعزيز ثقافة احترام المقابر من قبل الزوار، وضمان الحراسة الدائمة والعناية بالنظافة والصيانة.
وشددت على أن هذه الإكراهات تستدعي اعتماد رؤية متكاملة تجمع بين التخطيط العمراني والمحافظة على حرمة المقابر باعتبارها جزءاً من التراث الوطني.
المقبرة… مدرسة للقيم والذاكرة

وأكدت رئيسة جمعية “كرامتي للأبد” الإدريسي أن المقبرة في الثقافة المغربية تؤدي وظائف تتجاوز الجانب الجنائزي، فهي فضاء ديني يذكر الإنسان بالموت ويدفعه إلى الدعاء للراحلين، كما تشكل فضاءً اجتماعياً تلتقي فيه الأسر، خاصة أيام الجمعة والأعياد، لتجديد صلة الرحم والترحم على ذويها.
وأضافت أن المقابر تمثل أيضاً أرشيفاً تاريخياً مفتوحاً، إذ إن كل شاهد قبر يحفظ جزءاً من تاريخ حي أو أسرة أو منطقة، ويساهم في توثيق الذاكرة المحلية للأجيال المقبلة.
رسالة حضارية
واختتمت الأستاذة نزهة كرامة مداخلتها بالتأكيد على أن مستوى تحضر الأمم يقاس أيضاً بمدى احترامها لموتاها، مستحضرة قول الشاعر:
“سر هويداً، فما أديم الأرض إلا من هذه الأجساد.”
وأوضحت أن احترام المقابر في المغرب يعني احترام الدين الإسلامي وقيمه القائمة على الوقار والبساطة، واحترام التاريخ الذي صنعه المغاربة بمختلف روافدهم الأمازيغية والعربية واليهودية والمسيحية، كما يعني احترام المستقبل، لأن المقابر هي المصير المشترك لكل إنسان.
وفي ختام الندوة، طرحت المتدخلة الإدريسي سؤالاً للنقاش الأكاديمي يتمثل في: كيف يمكن تحقيق التوازن بين الضغط العمراني المتزايد الذي تعرفه المدن المغربية، والمحافظة على الطابع المقدس للمقابر باعتبارها فضاءات غير قابلة للبناء وتمثل جزءاً من الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية؟.






